مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص286
دار الكتب العلمية - بيروت
وهما لخواص الخليفة فتأمل بعد ما بينهما وبين المشهد الاول وهذان المشهدان يطرحان العبد على باب المحبة ويفتحان له من المعارف والعلوم امورا لا يعبر عنها وهذا باب عظيم من ابواب المعرفة قل من استفتحه من الناس وهو شهود الحكمة البالغة في قضاء السيئات وتقدير المعاصي وإنما استفتح الناس باب الحكم في الاوامر والنواهي وخاضوا فيها واتوا بما وصلت اليه علومهم واستفتحوا ايضا بابها في المخلوقات كما قدمناه وأتوا فيه بما وصلت اليه قواهم واما هذا الباب فكما رأيت كلامهم فيه فقل ان ترى لاحدهم فيه ما يشفى او يلموكيف يطلع على حكمة هذا الباب من عنده ان اعمال العباد ليست مخلوقة لله ولا داخلة تحت مشيئته اصلا وكيف يتطلب لها حكمة او يثبتها ام كيف يطلع عليها من يقول هي خلق الله ولكن افعاله غير معللة بالحكم ولا يدخلها لام تعليل اصلا وإن جاء شيء من ذلك صرف الى لام العاقبة لا الى لام العلة والغاية فأما إذا جاءت الباء في افعاله صرفت الى باء المصاحبة لا الى باء السببية وإذا كان المتكلمون عند الناس هم هؤلاء الطائفتان فإنهم لا يرون الحق خارجا عنهما ثم كثير من الفضلاء يتحير إذا رأى بعض اقوالهم الفاسدة ولا يدرى أين يذهب ولما عربت كتب الفلاسفة صار كثير من الناس إذا رأى اقوال المتكلمين الضعيفة وقد قالوا إن هذا هو الذي جاء به الرسول قطع القنطرة وعدي الى ذلك البر وكل ذلك من الجهل القبيح والظن الفاسد ان الحق لا يخرج عن اقوالهم فما اكثر خروج الحق عن اقوالهم وما اكثر ما يذهبون في المسائل التي هي حق وصواب الى خلاف الصواب والمقصود ان المتكلمين لو اجمعوا على شيء لم يكن اجماعهم حجة عند احد من العلماء فكيف إذا اختلفوا والمقصود ان مشاهدة حكمة الله في اقضيته واقداره التي يجربها على عباده باختياراتهم وإراداتهم هي من الطف ما تكلم فيه الناس وأدقه واغمضه وفي ذلك حكم لا يعلمها إلا الحكيم العليم سبحانه ونحن نشير الى بعضها فمنها أنه سبحانه يحب التوابين حتى انه من محبته لهم يفرح بتوبة احدهم اعظم من فرح الواحد براحلته التي عليها طعامه وشرابه في الارض الدوية المهلكة إذا فقدها وايس منها وليس في أنواع الفرح أكمل ولا اعظم من هذا الفرح كما سنوضح ذلك ونزيده تقريرا عن قريب إن شاء الله ولولا المحبة التامة للتوبة ولأهلها لم يحصل هذا الفرح ومن المعلوم ان وجود المسبب بدون سببه ممتنع وهل يوجد ملزوم بدون لازمه او غاية بدون وسيلتها وهذا معنى قول بعض العارفين ولو لم تكن التوبة احب الاشياء اليه لما ابتلى بالذنب اكرم المخلوقات عليه فالتوبة هي غاية كمال كل آدمي وإنما كان كمال ابيهم بها فكم بين حالة وقد قيل له إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى وبين قوله ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى فالحال الاولى حال أكل وشرب
#
