مفتاح دار السعادة
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص287
دار الكتب العلمية - بيروت
وتمتع والحال الاخرى حال اجتباء واصطفاء وهداية فيما بعد ما بينهما ولما كان كماله بالتوبة كان كمال بنيه ايضا بها كما قال تعالى {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} فكمال الادمي في هذه الدار بالتوبة النصوح وفي الاخرة بالنجاة من النار ودخول الجنة وهذا الكمال مرتب على كماله الاول والمقصود انه سبحانه لمحبته التوبة وفرحة بها يقتضي على عبده بالذنب ثم إن كان ممن سبقت له الحسنى قضى له بالتوبة وإن كان ممن غلبت عليه شقاوته اقام عليه حجة عدله وعاقبة بذنبه
فصل ومنها انه سبحانه يجب ان يتفضل عليهم ويتم عليهم نعمه ويريهم
مواقع بره وكرمه فلمحبته الافضال والانعام ينوعه عليهم اعظم الانواع واكثرها في سائر الوجوه الظاهرة والباطنة ومن اعظم انواع الاحسان والبر ان يحسن الى من اساء ويعفو عمن ظلم ويغفر لم اذنب ويتوب على من تاب اليه ويقبل عذر من اعتذر اليه وقدندب عباده الى هذه الشيم الفاضلة والافعال الحميدة وهو أولى بها منهم واحق وكان له في تقدير اسبابها من الحكم والعواقب الحميدة ما يبهر العقول فسبحانه وبحمده وحكى بعض العارفين انه قال طفت في ليلة مطيرة شديدة الظلمة وقد خلا الطواف وطابت نفسي فوقفت عند الملتزم ودعوت الله فقلت اللهم اعصمني حتى لا اعصيك فهتف بي هاتف انت تسألني العصمة وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من اتفضل ولمن اغفر قال فبقيت ليلتي الى الصباح استغفر الله حياء منه هذا ولو شاء الله عز وجل ان لا يعصي في الارض طرفة عين لم يعص ولكن اقتضت مشيئيه ما هوموجب حكمته سبحانه فمن اجهل بالله ممن يقول انه يعصي قسرا بغير اختياره وميشيئته سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا
فصل ومنها انه سبحانه له الاسماء الحسنى ولكل اسم من اسمائه اثر من
الاثار في الخلق والامر لا بد من ترتبه عليه كترتب المرزوق والرزق على الرازق وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الراحم وترتب المرئيات والمسموعات على السميع والبصير ونظائر ذلك في جميع الاسماء فلو لم يكن في عباده من يخطيء ويذنب ليتوب عليه ويغفر له ويعفو عنه لم يظهر اثر اسمائه الغفور والعفو والحليم والتواب وما جرى مجراها وظهور اثر هذه الاسماء ومتعلقاتها في الخليقة كظهور آثار سائر الاسماء الحسنى ومتعلقاتها فكما ان اسمه الخالق يقتضي مخلوقا والبارئ يقتضي مبروا والمصوريقتضي مصورا ولا بد فأسماؤه الغفار التواب تقتضي مغفورا له ما يغفره له وكذلك من يتوب
#
