منهاج السنة النبوية — ج 6
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج6 ص226
تحقيق: محمد رشاد سالم — جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
" «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» " ويشك بعض الرواة هل ذكر بعد [قرنه] (1) قرنين أو ثلاثة (2) .
والمقصود أن فضل الأعمال وثوابها ليس لمجرد صورها الظاهرة، بل لحقائقها التي في القلوب. والناس يتفاضلون ذلك تفاضلا عظيما. وهذا مما يحتج به من رجح كل واحد من الصحابة على كل [واحد] ممن بعدهم (3) ، فإن العلماء متفقون على أن جملة الصحابة أفضل من جملة التابعين، لكن هل يفضل كل واحد من الصحابة على كل واحد ممن بعدهم، ويفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز؟
ذكر القاضي عياض [وغيره] (4) في ذلك قولين، وأن الأكثرين يفضلون كل واحد من الصحابة، وهذا مأثور عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما.
ومن حجة هؤلاء أن أعمال التابعين وإن كانت أكثر، وعدل عمر بن عبد العزيز أظهر من عدل معاوية، وهو أزهد من معاوية، لكن الفضائل عند الله بحقائق الإيمان الذي في القلوب. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» " (5) .
قالوا: فنحن قد نعلم أن أعمال [بعض] (6) من بعدهم أكثر من أعمال بعضهم، لكن من أين نعلم (7) أن ما في قلبه من الإيمان أعظم مما في قلب ذلك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر أن جبل ذهب من الذين
