المغني — ج 2
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج2 ص180
مكتبة القاهرة
لغيره من البلدان، وذلك لأن الناس يكثرون بمكة لأجل قضاء نسكهم، ويزدحمون فيها، ولذلك سميت بكة، لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون ويدفع بعضهم بعضا، فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس، وحكم الحرم كله حكم مكة في هذا، بدليل ما روى ابن عباس، قال: أقبلت راكبا على حمار أتان، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار. متفق عليه.
ولأن الحرم كله محل المشاعر والمناسك، فجرى مجرى مكة في ما ذكرناه. فصل: ولو صلى في غير مكة إلى غير سترة، لم يكن به بأس، لما روى ابن عباس، قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضاء ليس بين يديه شيء. رواه البخاري. وروي عن الفضل بن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاهم في باديتهم فصلى إلى غير سترة. ولأن السترة ليست شرطا في الصلاة، وإنما هي مستحبة.
قال أحمد، في الرجل يصلي في فضاء ليس بين يديه سترة ولا خط: صلاته جائزة. وقال: أحب أن يفعل، فإن لم يفعل يجزئه.
[مسألة من مر بين يدي المصلي فليردده]
(1219) مسألة؛ قال: (ومن مر بين يدي المصلي فليردده) وجملته أنه ليس لأحد أن يمر بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه سترة، فإن كانت بين يديه سترة لم يمر أحد بينه وبينها؛ لما روى أبو جهم الأنصاري، قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه» . متفق عليه.
ولمسلم: «لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي» . وقد سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يمر بين يدي المصلي شيطانا، وأمر برده ومقاتلته. وروي عن يزيد بن نمران أنه قال: رأيت رجلا بتبوك مقعدا، فقال: «مررت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا على حمار وهو يصلي، فقال: اللهم اقطع أثره فما مشيت عليها بعد» . رواه أبو داود. وفي لفظ قال: «قطع صلاتنا، قطع الله أثره» .
وإن أراد أحد المرور بين يدي المصلي، فله منعه في قول أكثر أهل العلم؛ منهم ابن مسعود، وابن عمر، وسالم. وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. ولا أعلم فيه خلافا، والأصل فيه ما روى أبو سعيد، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما
#
