المغني — ج 9
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج9 ص145
مكتبة القاهرة
وذكر القاضي أن هذا إن كان في المصر، مثل أن كبسوا دارا، فكان أهل الدار بحيث لو صاحوا أدركهم الغوث، فليس هؤلاء بقطاع طريق؛ لأنهم في موضع يلحقهم الغوث عادة، وإن حصروا قرية أو بلدا ففتحوه وغلبوا على أهله، أو محلة منفردة، بحيث لا يدركهم الغوث عادة، فهم محاربون؛ لأنهم لا يلحقهم الغوث، فأشبه قطاع الطريق في الصحراء. الشرط الثاني: أن يكون معهم سلاح، فإن لم يكن معهم سلاح، فهم غير محاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم. ولا نعلم في هذا خلافا. فإن عرضوا بالعصي والحجارة، فهم محاربون. وبه قال الشافعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: ليسوا محاربين؛ لأنه لا سلاح معهم.
ولنا أن ذلك من جملة السلاح الذي يأتي على النفس والطرف، فأشبه الحديد. الشرط الثالث: أن يأتوا مجاهرة، ويأخذوا المال قهرا فأما إن أخذوه مختفين، فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون، لا قطع عليهم. وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة، فاستلبوا منها شيئا، فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة. وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم، فهم قطاع طريق.
[مسألة قاطع الطريق قتل وأخذ المال]
(7322) مسألة: قال: (فمن قتل منهم وأخذ المال، قتل وإن عفا صاحب المال، وصلب حتى يشتهر، ودفع إلى أهله، ومن قتل منهم، ولم يأخذ المال، قتل، ولم يصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، في مقام واحد، ثم حسمتا وخلي) روينا نحو هذا عن ابن عباس. وبه قال قتادة، وأبو مجلز، وحماد، والليث، والشافعي، وإسحاق، وعن أحمد، أنه إذا قتل وأخذ المال، قتل وقطع؛ لأن كل واحدة من الجنايتين توجب حدا منفردا، فإذا اجتمعا، وجب حدهما معا، كما لو زنى، وسرق.
وذهبت طائفة إلى أن الإمام مخير فيهم بين القتل والصلب، والقطع والنفي؛ لأن " أو " تقتضي التخيير، كقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] . وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبي الزناد، وأبي ثور، وداود. وروي عن ابن عباس: ما كان في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار.
وقال أصحاب الرأي: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطع، وإن قتل وأخذ المال، فالإمام مخير بين قتله وصلبه، وبين قتله وقطعه، وبين أن يجمع له ذلك كله؛ لأنه قد وجد منه ما يوجب القتل والقطع، فكان للإمام فعلهما، كما لو قتل وقطع في غير قطع طريق. وقال مالك: إذا قطع الطريق، فرآه الإمام جلدا ذا رأي، قتله، وإن كان جلدا لا رأي له، قطعه، ولم يعتبر فعله.
#
