المغني — ج 9
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج9 ص43
مكتبة القاهرة
يعني لم يحصن وإن كان ثيبا، وقد ذكرنا الإحصان وشروطه، ولا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنا، وقد جاء بيان ذلك في كتاب الله تعالى، بقوله سبحانه: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] .
وجاءت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - موافقة لما جاء به الكتاب. ويجب مع الجلد تغريبه عاما، في قول جمهور العلماء. روي ذلك عن الخلفاء الراشدين. وبه قال أبي، وأبو داود، وابن مسعود، وابن عمر - رضي الله عنهم -، وإليه ذهب عطاء، وطاوس، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال مالك، والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، ولأنها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم، لا يجوز التغريب بغير محرم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم» . ولأن تغريبها بغير محرم إغراء لها بالفجور، وتضييع لها، وإن غربت بمحرم، أفضى إلى تغريب من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، وإن كلفت أجرته، ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به، كما لو زاد ذلك على الرجل، والخبر الخاص في التغريب إنما هو في حق الرجل، وكذلك فعل الصحابة - رضي الله عنهم -، والعام يجوز تخصيصه؛ لأنه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه، فإنه دل بمفهومه على أنه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه، وإيجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك، وفوات حكمته؛ لأن الحد وجب زجرا عن الزنا، وفي تغريبها إغراء به، وتمكين منه، مع أنه قد يخصص في حق الثيب بإسقاط الجلد، في قول الأكثرين، فتخصيصه هاهنا أولى.
وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: لا يجب التغريب؛ لأن عليا - رضي الله عنه - قال: حسبهما من الفتنة أن ينفيا. وعن ابن المسيب، أن عمر غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرب مسلما بعد هذا أبدا. ولأن الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب، فإيجاب التغريب زيادة على النص. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «: البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام» . وروى أبو هريرة، وزيد بن خالد، «أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإنني افتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت رجالا من أهل العلم، فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، والرجم على امرأة هذا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل، على ابنك جلد مائة، وتغريب عام. وجلد ابنه مائة، وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها» . متفق عليه. وفي الحديث،
#
