المحلى بالآثار — ج 1
الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص137
دار الفكر - بيروت
«عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه في بعض طرق المدينة وأبو هريرة جنب، قال: فانخنست منه فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة قال: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس» . قال علي: وكل ما يؤكل لحمه فلا خلاف في أنه طاهر، قال الله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] فكل حلال هو طيب، والطيب لا يكون نجسا بل هو طاهر، وبعض الطاهر طاهر بلا شك، لأن الكل ليس هو شيئا غير أبعاضه إلى أن يأتي نص بتحريم بعض الطاهر فيوقف عنده، كالدم والبول والرجيع، ويكون مستثنى من جملة الطاهر، ويبقى سائرها على الطهارة وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة لعاب الكفار من الرجال والنساء الكتابيين وغيرهم]
134 -
مسألة: ولعاب الكفار من الرجال والنساء - الكتابيين وغيرهم - نجس كله، وكذلك العرق منهم والدمع، وكل ما كان منهم، ولعاب كل ما لا يحل أكل لحمه من طائر أو غيره، من خنزير أو كلب أو هر أو سبع أو فأر، حاشا الضبع فقط، وعرق كل ما ذكرنا ودمعه - حرام واجب اجتنابه. برهان ذلك قول الله تعالى: {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] وبيقين يجب أن بعض النجس نجس؛ لأن الكل ليس هو شيئا غير أبعاضه، فإن قيل: إن معناه نجس الدين، قيل: هبكم أن ذلك كذلك. أيجب من ذلك أن المشركين طاهرون؟ حاشا لله من هذا وما فهم قط من قول الله تعالى: {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] مع قول نبيه - صلى الله عليه وسلم -: «إن المؤمن لا ينجس» أن المشركين طاهرون، ولا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نص الله تعالى أنهم نجس إنهم طاهرون، ثم يقول في المني الذي لم يأت قط بنجاسته نص إنه نجس، ويكفي من هذا القول سماعه. ونحمد الله على السلامة. فإن قيل: قد أبيح لنا نكاح الكتابيات ووطؤهن، قلنا نعم، فأي دليل في هذا على أن لعابها وعرقها ودمعها طاهر؟ فإن قيل: إنه لا يقدر على التحفظ من ذلك. قلنا: هذا خطأ، بل يفعل فيما مسه من لعابها وعرقها مثل الذي يفعل إذا مسه بولها أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق، ولا حرج في ذلك، ثم هبك أنه لو صح لهم ذلك في
#