المحلى بالآثار — ج 1
الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص176
دار الفكر - بيروت
يقولون بهذا، بل أصحابنا والمالكيون يبيحون للمختنق شرب الخمر إذا لم يجد ما يسيغ أكله به غيرها، والحنفيون والشافعيون يبيحونها عند شدة العطش. وأما حديث الدواء الخبيث فنعم وما أباحه الله تعالى عند الضرورة فليس في تلك الحال خبيثا، بل هو حلال طيب؛ لأن الحلال ليس خبيثا، فصح أن الدواء الخبيث هو القتال المخوف، على أن يونس بن أبي إسحاق الذي انفرد به ليس بالقوي.
وأما حديث «لم يجعل الله شفاءكم فيما حرم عليكم» فباطل لأن راويه سليمان الشيباني وهو مجهول.
وقد جاء اليقين بإباحة الميتة والخنزير عند خوف الهلاك من الجوع فقد جعل تعالى شفاءنا من الجوع المهلك فيما حرم علينا في غير تلك الحال ونقول: نعم إن الشيء ما دام حراما علينا فلا شفاء لنا فيه، فإذا اضطررنا إليه فلم يحرم علينا حينئذ بل هو حلال، فهو لنا حينئذ شفاء، وهذا ظاهر الخبر. وقد قال الله تعالى فيما حرم علينا: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] وقد قال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] وصح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها» وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» من الطرق الثابتة الموجبة للعلم. روى تحريم الحرير عمر وابنه وابن الزبير وأبو موسى وغيرهم، ثم صح يقينا «أنه - عليه السلام - أباح لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام لباس الحرير على سبيل التداوي من الحكة والقمل والوجع» ، فسقط كل ما تعلقوا به.
وأما قولهم: إن الأشياء على الإباحة بقوله تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] وبقوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] فصحيح، وهكذا نقول: إننا إن لم نجد نصا على تحريم الأبوال جملة والأنجاء جملة، وإلا فلا يحرم من ذلك شيء إلا ما أجمع عليه من بول ابن آدم ونجوه. كما قالوا: فإن وجدنا نصا في تحريم كل ذلك ووجوب اجتنابه، فالقول بذلك واجب، فنظرنا في ذلك فوجدنا ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا ابن سلام
#