المحلى بالآثار — ج 1
الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص175
دار الفكر - بيروت
وأما حديث أنس في أبوال الإبل وألبانها فلا حجة لهم فيه؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبان الإبل على سبيل التداوي من المرض، كما روينا من طريق مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا ابن علية عن حجاج بن أبي عثمان حدثني أبو رجاء مولى أبي قلابة عن أبي قلابة حدثني أنس بن مالك «أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي وطردوا الإبل» وذكر الحديث فصح يقينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بذلك على سبيل الدواء من السقم الذي كان أصابهم، وأنهم صحت أجسامهم بذلك، والتداوي بمنزلة ضرورة، وقد قال تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب، فإن قيل: قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رويتموه من طريق شعبة عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: «ذكر طارق بن سويد أو سويد بن طارق أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر فنهاه ثم سأله فنهاه، فقال: يا نبي الله إنها دواء فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا، ولكنها داء» وحديث يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عن أبي هريرة قال «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدواء الخبيث» . وما روي من طريق جرير عن سليمان الشيباني عن حسان بن المخارق عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» . فهذا كله لا حجة فيه؛ لأن حديث علقمة بن وائل إنما جاء من طريق سماك بن حرب وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، ثم لو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن فيه أن الخمر ليست دواء، وإذ ليست دواء فلا خلاف بيننا في أن ما ليس دواء فلا يحل تناوله إذا كان حراما، وإنما خالفناهم في الدواء، وجميع الحاضرين لا
#