المحلى بالآثار — ج 1
الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص206
دار الفكر - بيروت
فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ من فضلها فقالت له: إني اغتسلت فقال: إن الماء لا ينجسه شيء» وبحديث آخر رويناه من طريق الطهراني عن عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بفضل ميمونة، مختصر» قال أبو محمد: هكذا في نفس الحديث مختصر. قال أبو محمد: وهذان حديثان لا يصحان، فأما الحديث الأول فرواية سماك بن حرب، وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، وهذه جرحة ظاهرة (والثاني) أخطأ فيه الطهراني بيقين؛ لأن هذا أخبرناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه - ومحمد بن حاتم قال إسحاق أخبرنا محمد بن بكر وقال ابن حاتم حدثنا محمد بن بكر وهو البرساني ثنا ابن جريج ثنا عمرو بن دينار قال: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني عن ابن عباس أنه أخبره «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بفضل ميمونة» . قال أبو محمد: فصح أن عمرو بن دينار شك فيه ولم يقطع بإسناده، وهؤلاء أوثق من الطهراني وأحفظ بلا شك. ثم لو صح هذان الخبران ولم يكن فيهما مغمز لما كانت فيهما حجة، لأن حكمهما هو الذي كان قبل نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أن يتوضأ الرجل أو أن يغتسل بفضل طهور المرأة، بلا شك في هذا، فنحن على يقين من أن حكم هذين الخبرين منسوخ قطعا، حين نطق - عليه السلام - بالنهي عما فيهما، لا مرية في هذا، فإذ ذلك كذلك فلا يحل الأخذ بالمنسوخ وترك الناسخ، ومن ادعى أن المنسوخ قد عاد حكمه، والناسخ قد بطل رسمه، فقد أبطل وادعى غير الحق، ومن المحال الممتنع أن يكون ذلك ولا يبينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو المفترض عليه البيان. وبالله تعالى التوفيق.
على أن أبا حنيفة والشافعي - المحتجين بهذين الخبرين - مخالفان لما في أحدهما من قوله - عليه السلام - «الماء لا ينجس» ومن القبيح احتجاج قوم بما يقرون أنه حجة ثم يخالفونه وينكرون خلافه على من لا يراه حجة. وبالله تعالى التوفيق.
#