المحلى بالآثار — ج 1
الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص77
دار الفكر - بيروت
أما القطع بأنه حق وحجة فلما ذكرناه قبل بإسناده من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لن تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» فصح من هذا أنه لا يجوز ألبتة أن يجمع أهل عصر ولو طرفة عين على خطإ، ولا بد من قائل بالحق فيهم. وأما أنه ليس إجماعا، فلأن أهل كل عصر بعد عصر الصحابة - رضي الله عنهم - ليس جميع المؤمنين وإنما هم بعض المؤمنين والإجماع إنما هو إجماع جميع المؤمنين لا إجماع بعضهم. ولو جاز أن يسمى إجماعا ما خرج عن الجملة واحد لا يعرف أيوافق سائرهم أم يخالفهم لجاز أن يسمى إجماعا ما خرج عنهم فيه اثنان وثلاثة وأربعة. وهكذا أبدا إلى أن يرجع الأمر إلى أن يسمى إجماعا ما قاله واحد. وهذا باطل. ولكن لا سبيل إلى تيقن إجماع أهل عصر بعد الصحابة - رضي الله عنهم - كذلك. بل كانوا عددا ممكنا حصره وضبطه وضبط أقوالهم في المسألة. وبالله تعالى التوفيق. وقال بعض الناس: يعلم ذلك من حيث يعلم رضا أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي بأقوال هؤلاء. قال علي: وهذا خطأ لأنه لا سبيل أن يكون مسألة قال بها أحد من هؤلاء الفقهاء إلا وفي أصحابه من يمكن أن يخالفه فيها وإن وافقه في سائر أقواله.
[مسألة اختلف الناس أو نازع واحد في مسألة ما]
- 99 مسألة: والواجب إذا اختلف الناس أو نازع واحد في مسألة ما أن يرجع إلى القرآن وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا إلى شيء غيرهما. ولا يجوز الرجوع إلى عمل أهل المدينة ولا غيرهم. برهان ذلك قول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] فصح أنه لا يحل الرد عند التنازع إلى شيء غير كلام الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفي هذا تحريم الرجوع إلى قول أحد دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأن من رجع إلى قول إنسان دونه - عليه السلام - فقد خالف أمر الله تعالى بالرد إليه وإلى رسوله، لا سيما مع تعليقه تعالى ذلك بقوله: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] ولم يأمر الله تعالى بالرجوع إلى قول بعض المؤمنين دون جميعهم. وقد كان الخلفاء - رضي الله عنهم - كأبي بكر وعمر وعثمان بالمدينة
#