المحلى بالآثار — ج 1
الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص81
دار الفكر - بيروت
برهان كذبهم أنه لا سبيل لهم إلى وجود حديث عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - أنه أطلق الأمر بالقول بالقياس أبدا إلا في الرسالة المكذوبة الموضوعة على عمر - رضي الله عنه - فإن فيها: واعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور وهذه رسالة لم يروها إلا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وهو ساقط بلا خلاف وأبوه أسقط منه أو هو مثله في السقوط، فكيف وفي هذه الرسالة نفسها أشياء خالفوا فيها عمر - رضي الله عنه - ومنها قوله فيها: والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو نسب. وهم لا يقولون بهذا - يعني جميع الحاضرين من أصحاب القياس - حنفيهم وشافعيهم ومالكيهم، وإن كان قول عمر - لو صح في تلك الرسالة - في القياس حجة، فقوله في أن المسلمين عدول كلهم إلا مجلودا في حد حجة، وإن لم يكن قوله في ذلك حجة، فليس قوله في القياس حجة، لو صح فكيف ولم يصح. وأما برهان صحة قولنا في إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على إبطال القياس فإنه لا يختلف اثنان في أن جميع الصحابة مصدقون بالقرآن وفيه {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] وفيه: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] فمن الباطل المحال أن يكون الصحابة - رضي الله عنهم - يعلمون هذا ويؤمنون به، ثم يردون عند التنازع إلى قياس أو رأي. هذا ما لا يظنه بهم ذو عقل، فكيف وقد ثبت عن الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: أي أرض تقلني أو أي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم، وصح عن الفاروق - رضي الله عنه - أنه قال: اتهموا الرأي على الدين وإن الرأي منا هو الظن والتكلف، وعن عثمان - رضي الله عنه - في فتيا أفتى بها إنما كان
#