شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المحلى بالآثار — ج 1

الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص85

دار الفكر - بيروت

[مسألة لا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا]

مسألة: ولا يحل لأحد أن يقلد أحدا، لا حيا ولا ميتا، وعلى كل أحد من الاجتهاد حسب طاقته، فمن سأل عن دينه فإنما يريد معرفة ما ألزمه الله عز وجل في هذا الدين، ففرض عليه إن كان أجهل البرية أن يسأل عن أعلم أهل موضعه بالدين الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا دل عليه سأله، فإذا أفتاه قال له هكذا قال الله عز وجل ورسوله؟ فإن قال له نعم أخذ بذلك وعمل به أبدا، وإن قال له هذا رأيي، أو هذا قياس، أو هذا قول فلان، وذكر له صاحبا أو تابعا أو فقيها قديما أو حديثا، أو سكت أو انتهره أو قال له لا أدري، فلا يحل له أن يأخذ بقوله، ولكنه يسأل غيره. برهان ذلك قول الله عز وجل: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] فلم يأمرنا عز وجل قط بطاعة بعض أولي الأمر، فمن قلد عالما أو جماعة علماء فلم يطع الله تعالى ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا أولي الأمر، وإذا لم يرد إلى من ذكرنا فقد خالف أمر الله عز وجل ولم يأمر الله عز وجل قط بطاعة بعض أولي الأمر دون بعض.

فإن قيل: فإن الله عز وجل قال: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] وقال تعالى: {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم} [التوبة: 122] قلنا: نعم، ولم يأمر الله عز وجل أن يقبل من النافر للتفقه في الدين رأيه، ولا أن يطاع أهل الذكر في رأيهم ولا في دين يشرعونه لم يأذن به الله عز وجل، وإنما أمر تعالى بأن يسأل أهل الذكر عما يعلمونه في الذكر الوارد من عند الله تعالى فقط، لا عمن قاله من لا سمع له ولا طاعة، وإنما أمر الله تعالى بقبول نذارة النافر للتفقه في الدين فيما تفقه فيه من دين الله تعالى الذي أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا في دين لم يشرعه الله عز وجل. ومن ادعى وجوب تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل وقال قولا لم يأت به قط نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل لأنه قول بلا دليل، بل البرهان قد جاء بإبطاله، قال تعالى ذاما لقوم قالوا: {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] والاجتهاد إنما معناه بلوغ الجهد في طلب دين الله عز وجل

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية