المحلى بالآثار — ج 5
الإمام ابن حزم • الفقه • ج5 ص351
دار الفكر - بيروت
شرخهم» لكنا أدخل منهم في الإيهام؛ ولكن يعيذنا الله - عز وجل - من أن نحتج بما لا نراه صحيحا، وفي القرآن وصحيح السنن كفاية.
وأما قولهم: إنما نقتل من قاتل، فباطل؛ بل نقتل كل من يدعى إلى الإسلام منهم حتى يؤمن أو يؤدي الجزية إن كان كتابيا كما أمر الله - تعالى - في القرآن لا كما أمر أبو حنيفة إذ يقول: إن ارتدت المرأة لم تقتل، فإن قتلت قتلت، وإن سب المشركون أهل الذمة النبي - صلى الله عليه وسلم - تركوا، وسبهم له حتى يشفوا صدورهم ويخزى المسلمون بذلك. تبا لهذا القول وقائله.
وروينا من طريق وكيع نا سفيان نا عبد الملك بن عمير القرظي نا «عطية القرظي قال: عرضت يوم قريظة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت» .
فهذا عموم من النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستبق منهم عسيفا، ولا تاجرا، ولا فلاحا، ولا شيخا كبيرا، وهذا إجماع صحيح منهم - رضي الله عنهم - متيقن؛ لأنهم في عرض من أعراض المدينة لم يخف ذلك على أحد من أهلها.
ومن طريق حماد بن سلمة: أخبرنا أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد: أن لا يجلبوا إلينا من العلوج أحدا، اقتلوهم، ولا تقتلوا من جرت عليهم المواسي ولا تقتلوا صبيا، ولا امرأة.
ومن طريق ابن أبي شيبة عن ابن نمير نا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كتب عمر إلى الأجناد: لا تقتلوا امرأة، ولا صبيا، وأن يقتلوا كل من جرت عليه المواسي.
فهذا عمر - رضي الله عنه - لم يستثن شيخا، ولا راهبا، ولا عسيفا، ولا أحدا إلا النساء، والصبيان فقط؛ ولا يصح عن أحد من الصحابة خلافه - وقد قتل دريد بن الصمة وهو شيخ هرم قد اهتز عقله فلم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: لأنه كان ذا رأي؟ فقلنا لهم: ومن ذا الذي قسم لكم ذا الرأي من غيره، فلا سمعا له ولا طاعة - ومثل هذه التقاسيم لا تؤخذ إلا من القرآن، أو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبالله - تعالى - نتأيد.
#