المحلى بالآثار — ج 7
الإمام ابن حزم • الفقه • ج7 ص178
دار الفكر - بيروت
وأما الرواية عن علي فمنقطعة؛ لأن الحسن لم يسمع من علي شيئا، ثم لو صحت لما كان لهم بها متعلق أصلا؛ لأنه لم يقل علي - رضي الله عنه - أنه إنما فعل ذلك؛ لأنه أعتقه في مرضه ألبتة ولا في تلك الرواية ذكر: أن ذلك كان في مرض لا بنص ولا بدليل، وإنما فيه: أنه أعتقه عند موته فقط، والأظهر أن عليا إنما أوجب الاستسعاء في ذلك؛ لأنه لم يكن له مال غيره وعليه دين، فهذا هو نص الخبر، وهو قولنا لا قولهم كلهم، وكذلك نقول بالاستسعاء في هذا إذا فضل من قيمة العتق عن الدين شيء قل أو كثر، وليس في ذلك الخبر خلاف لهذا، فلاح ولله الحمد كثيرا أن كل ما احتجوا به من أثر صحيح أو سقيم، أو عن صاحب فليس منه شيء أصلا موافقا لقولهم، وأن إيرادهم لكل ذلك تمويه، وإيهام بالباطل، والظن الكاذب، وأن كله أو أكثره حجة لنا، وموافق لقولنا - والحمد لله رب العالمين.
وأما احتجاجهم بالتابعين، ودعواهم الإجماع في ذلك فغير منكر من استسهالهم الكذب على جميع أهل الإسلام - وقد أوردنا في صدر هذه المسألة بأصح طريق عن مسروق خلاف قولهم، وأن عتق المريض من رأس ماله، وإن مات من مرضه ذلك، وأنه إنما قال بذلك؛ لأنه شيء جعله لله تعالى، فلا يرد.
فصح أن كل ما فعله المريض لله تعالى فمات من مرضه أو عاش، فمن رأس ماله عند مسروق، فظهر كذبهم في دعوى الإجماع، فكيف وإنما جاءت في ذلك آثار عن أربعة عشر من التابعين فقط؟ شريح، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وسالم، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعكرمة، ومكحول، وعطاء، والحسن، وقتادة، أكثر ذلك لا يصح عنهم؛ لأنها من طريق جابر الجعفي ومثله.
ثم هم مختلفون، فمنهم من رأى المسافر من حين يضع رجله في الغرز لا ينفذ له أمر في مال إلا من ثلثه - ومنهم من يرى ذلك في الحامل جملة. ومنهم من يرى ذلك في الأسير جملة، والمالكيون، والحنفيون، والشافعيون: مخالفون لكل هذا. ثم قولهم في تفسير الأمراض مخالف لجميعهم، فإن كان هؤلاء إجماعا فقد أقروا على أنفسهم بخلاف الإجماع، وإن كان ليس إجماعا فلا حجة لهم في قول من
#