المحلى بالآثار — ج 7
الإمام ابن حزم • الفقه • ج7 ص196
دار الفكر - بيروت
أنفسهما، والتقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال، موعدان بالجنة، متوعدان بالنار كالأحرار ولا فرق، فالتفريق بينهما خطأ إلا حيث جاء النص بالفرق بينهما؟ قال علي: أما المالكيون ففحش اضطرابهم ههنا وذلك أنهم أباحوا التسري بإذن مولاه، والله تعالى يقول: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7]
ولا خلاف بين أحد في أن العبد إن وطئ أمة سيده فإنه زان؟ فيقال للمالكيين: لا تخلو هذه السرية التي أبحتم فرجها للعبد من أن تكون ملك يمينه، فهذا قولنا، فقد صح ملكه لماله، وظهر تناقضهم أو تكون ليست ملك يمينه وإنما هي ملك يمين سيده، فهو زان عاد، وهذا ما لا مخرج منه، وإذا ملكها فقد ملك - بلا شك - ثمنها الذي اشتراها به، والذي يبيعها به.
وقال تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف} [النساء: 25] فأمر تعالى بإعطاء الأمة صداقها، وجعله ملكا لها، وحقا لها، والله تعالى لا يأمر بأن يعطي أحد مال غيره، فصح أنهن مالكات كسائر النساء الحرائر ولا فرق
وأما الحنفيون، والشافعيون، فقالوا: لا يملك العبد أصلا، ولم يبيحوا له التسري، إلا أن الشافعيين تناقضوا أيضا؛ لأنهم أوجبوا عليه نفقة زوجه وكسوتها، فلولا أنه يملك لما جاز أن يلزم غرامة نفقة وكسوة من لا يجوز أن يملك، ولا من لا يمكن أن يملك.
وأما الحنفيون فلم يوجبوا عليه نفقة أصلا، لكن جعلوه بزواجه جانيا جناية توجب أن يقضى برقبته لزوجته فينفسخ النكاح إذا ملكته؟ فهل سمع بأبرد من هذه الوساوس المضادة لأحكام القرآن، والسنن، والمعقول بلا دليل أصلا؟ واحتج المانعون من ملك العبد بأن ذكروا قول الله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه} [النحل: 75] .
#