المحلى بالآثار — ج 10
الإمام ابن حزم • الفقه • ج10 ص93
دار الفكر - بيروت
يقول عز وجل: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} [الطلاق: 4] {ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [الطلاق: 5] {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] إلى قوله تعالى {من وجدكم} [الطلاق: 6] الآية.
كما أوردنا ونحن لا نختلف في أن هذه العدة للمبتوتة كما هي لغير المبتوتة، ولا فرق، فوجب ضرورة أن يكون قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] أراد به تعالى جميع المطلقات من مبتوتة ورجعية، أو أراد أحد القسمين، هذا ما لا شك فيه.
فإن قلتم: إنه تعالى أراد كلا القسمين؟ قلنا لكم: فيجب على هذا أن غير المبتوتة لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا، كما قلتم في المبتوتة ولا بد؛ لأن النص عندكم فيهما جميعا - وهذا خلاف قولكم - فبطل هذا القول.
فإن قالوا: أراد المبتوتات فقط؟ قلنا: هذا خطأ من وجهين:
أولهما - أنه دعوى بلا برهان، وتخصيص للقرآن بلا دليل، وهذا لا يحل.
والوجه الثاني -: أن السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صحت في خبر فاطمة بنت قيس بأنه لا نفقة لها ولا سكنى.
ومعاذ الله أن يحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخلاف القرآن، إلا أن يكون نسخا أو مضافا إلى ما في القرآن، وليس هذا مضافا إلى ما في الآية.
ولا يحل أن يقال: هذا نسخ، إلا بيقين لا بالدعوى - فبطل هذا القول.
فإن قالوا: أراد الله عز وجل الرجعيات فقط؟ قلنا: صدقتم، وهذا قولنا وبرهاننا على ذلك -: خبر فاطمة بنت قيس وأوجبنا النفقة على المطلقة طلاقا رجعيا - ليست بحامل -؛ لأنها زوجته يرثها وترثه بلا خلاف.
#