المحلى بالآثار — ج 11
الإمام ابن حزم • الفقه • ج11 ص214
دار الفكر - بيروت
وأما المتأخرون - فإن أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمد بن الحسن، قالوا: من غصب صبيا حرا فمات عنده بحمى أو فجأة فلا شيء عليه - فإن أصابته صاعقة، أو نهشته حية: فديته على عاقلة الغاصب، وكان زفر يقول: لا يضمن في شيء من ذلك.
وقال سفيان الثوري: إذا أرسل صبيا في حاجة فجنى الصبي جناية، قال: فليس على الذي أرسله شيء من جنايته، قال: فإذا أرسل مملوكا في حاجة فجنى، فإن الجناية على الذي أرسله، قال: فإن استعمل أجيرا صغيرا في حاجة فأكله الذئب فلا شيء عليه.
وقال الحسن بن حي: من أمر صغيرا، أو مملوكا لغيره بأن يسقيه ماء، أو يناوله وضوءا فلا بأس بذلك، قال: فإن عنتا في ذلك فعليه ضمانهما.
وقال مالك: الأمر الذي عليه الفقهاء منهم: أن الرجل إذا استعان صغيرا، أو عبدا مملوكا في شيء له بال، فإنه ضامن لما أصابهما - إذا كان ذلك بغير إذن - وإذا أمر الرجل الصبي الحر أن ينزل في بئر، أو يرقى في نخلة، فهلك في ذلك: أن الذي أمره ضامن لما أصابه - فإن استعان كبيرا حرا فأعانه، فلا شيء عليه إلا أن يستغفل أو يستجهل.
قال أبو محمد: وقد روينا عن مالك: أن من غصب حرا فباعه فطلب؟ فلم يوجد: أنه يضمن ديته - وأما الشافعي - فلا نعلم له في هذا قولا.
وقد روي عن أم سلمة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنها بعثت إلى معلم الكتاب، ابعث لي غلمانا ينفشون صوفا ولا تبعث إلي حرا؟ قال أبو محمد: فلما اختلفوا - كما ذكرنا - وجب أن ننظر في ذلك ليلوح الحق من ذلك فنتبعه - بعون الله تعالى ومنه - فابتدأنا بما روي في ذلك عن الصحابة - رضي الله عنهم -: فأما الرواية - عن أم سلمة - رضي الله عنها - في طلبها غلمانا ينفشون لها الصوف، واشترطت: أن لا يكون فيهم حر؟ فليس فيه من حكم التضمين قليل ولا كثير، فلا مدخل له في هذا الباب - والله أعلم بمرادها - ولعل نفش الصوف كان بحضرتها
#