المحلى بالآثار — ج 12
الإمام ابن حزم • الفقه • ج12 ص118
دار الفكر - بيروت
قال أبو محمد - رحمه الله -: وهذا كل ما شغبوا به من النصوص، إلا أن بعضهم قال: أرأيت من أحدث في نصرانية، أو يهودية، أو مجوسية: رأيا لم يخرج به عن جملتهم أتجبرونه على ترك ذلك الرأي والرجوع إلى جملتهم، أو إلى الإسلام؟ وأرأيتم من خرج من ملكانية إلى نسطورية، أو يعقوبية، أو قادونية، أو معدونية، فدان بعبودية المسيح، وأنه نبي الله، وأن الله تعالى وحده لا شريك له؟ أتجبرونه على الرجوع إلى التثليث، أو إلى الرجوع إلى القول بأن الله هو المسيح ابن مريم؟ وكذلك من خرج من ربانية إلى عامانية، أو إلى عيسوية، أتجبرونه على الرجوع عن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الكفر؟ قال أبو محمد - رحمه الله -: هذا كل ما موهوا به من التشنيع وكل هذا عائد عليهم على ما نبين إن شاء الله تعالى.
أما قول الله تعالى {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] فحق، ولا حجة لهم فيه، لأنه ليس فيه إلا أنهم كلهم أولياء بعضهم لبعض فقط، وليس في هذه الآية حكم إقرارهم، ولا حكم قتلهم، ولا حكم ما يفعل بهم في شيء من أمورهم أصلا.
وكذلك قوله تعالى {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] إلى آخرها ليس فيها أيضا إلا أننا مباينون لجميع الكفار في العبادة، والدين، وليس في هذه السورة شيء من أحكامهم، لا من إقرارهم ولا من ترك إقرارهم.
وقد قال الله تعالى مخاطبا لنا {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] فمن تولاهم منا فهو منهم، كما قال تعالى إن {بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51] .
فهلا تركوا المرتد إليهم منا على ردته؟ بإخبار الله تعالى أنه منهم، فإن لم تكن هذه الآية حجة في إقرار المرتد منا إليهم على ذلك، ذانك النصان ليسا بحجة فيما أرادوا التمويه بإيرادهما من أن الخارج منهم من كفر إلى كفر يقر على ذلك - وبالله تعالى التوفيق.
قال أبو محمد - رحمه الله -: وأما قول الله تعالى {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] فلا حجة لهم فيه، لأنه لم يختلف أحد من الأمة كلها في أن هذه الآية ليست على
#