المحلى بالآثار — ج 12
الإمام ابن حزم • الفقه • ج12 ص142
دار الفكر - بيروت
إلى قوله تعالى {عذابا أليما} [النساء: 18] فنص الله تعالى على أن أولئك المخلفين الذين أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن لا يصلي على أحد منهم مات أبدا، وأنهم كفروا بالله وبرسوله، والذين أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن لا تعجبه أموالهم ولا أولادهم، وأنه تعالى أراد أن تزهق أنفسهم وهم كافرون: أنهم مقبولة توبتهم إن تابوا في ظاهر أمرهم، وفي الحكم بأن باطنهم: أن من كان منهم صحيح التوبة مطيعا إذا دعي بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الجهاد فسيؤتيه أجرا عظيما، وأن من تولى عذبه الله تعالى عذابا أليما.
فصح ما قلناه من أنهم كفروا فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم كفروا ثم تابوا فقبل توبتهم، ولم يعرف - عليه السلام - بعد التوبة من منهم الصادق في سر أمره، ولا من منهم الكفر في باطن معتقده، وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره بشهادة النصوص، كما أوردنا آنفا - وبالله تعالى التوفيق.
وقال تعالى {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله} [التوبة: 86] إلى قوله تعالى {فهم لا يفقهون} [التوبة: 87] ؟ قال أبو محمد - رحمه الله -: فهذه نص الآيات التي ذكرنا أيضا وقد تكلمنا فيها، وقال تعالى {وجاء المعذرون من الأعراب} [التوبة: 90] إلى قوله تعالى {عذاب أليم} [البقرة: 10] .
قال: وهذه الآية تبين ما قلناه نصا، لأنه تعالى أخبر أن بعضهم كفار، إلا أن كلهم عصاة، فأما المبطنون للكفر منهم فلم يعلمهم النبي - عليه السلام - ولا علمهم أحد منهم إلا الله تعالى فقط.
وقال تعالى {إنما السبيل على الذين يستأذنونك} [التوبة: 93] إلى قوله {عن القوم الفاسقين} [التوبة: 96] ؟ قال أبو محمد - رحمه الله -: وهذه كالتي قبلها، وقد قلنا: إن فيهم من كفر، فأولئك الذين طبع الله على قلوبهم، ولكن الله تعالى أرجأ أمرهم بقوله تعالى {وسيرى الله عملكم ورسوله} [التوبة: 94] .
فصح ما قلناه واتفقت الآيات كلها - والحمد لله رب العالمين.
#