شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المحلى بالآثار — ج 12

الإمام ابن حزم • الفقه • ج12 ص439

دار الفكر - بيروت

قال أبو محمد - رحمه الله -: وهذه سؤالات لا يسألها إلا كافر أو إنسان جاهل يريد معرفة المخرج من كل هذه الاعتراضات المذكورة؟ قال أبو محمد - رحمه الله -: الوجه في هذه السؤالات بين واضح لا خفاء به والحمد لله رب العالمين، ومعاذ الله أن يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل أحد بظن بغير إقرار، أو بينة، أو علم أو مشاهدة، أو وحي، أو أن يأمر بقتله دونها، لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علم يقينا أنه بريء، وأن القول كذب فأراد - عليه السلام - أن يوقف على ذلك مشاهدة فأمر بقتله لو فعل ذلك الذي قيل عنه، فكان هذا حكما صحيحا فيمن آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد علم - عليه السلام - أن القتل لا ينفذ عليه لما يظهر الله تعالى من براءته، وكان - عليه السلام - في ذلك، كما أخبر به عن أخيه سليمان - عليه السلام -، وقد روينا من طريق البخاري نا أبو اليمان - هو الحكم بن نافع - نا شعيب - هو ابن أبي حمزة - نا أبو الزناد قال: إن عبد الرحمن الأعرج حدثه أنه سمع «أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: مثلي ومثل الناس - فذكر كلاما - وفيه أنه - عليه السلام - قال: وكانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها، إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود - عليه السلام -، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان - عليه السلام - فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى - قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ وما كنا نقول إلا المدية؟» قال أبو محمد - رحمه الله -: فبيقين ندري أن سليمان - عليه السلام - لم يرد قط شق الصبي بينهما، وإنما أراد امتحانهما بذلك، وبالوحي - فعل هذا بلا شك - وكان حكم داود - عليه السلام - للكبرى على ظاهر الأمر؛ لأنه كان في يدها، وكذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ما أراد قط إنفاذ قتل ذلك " المجبوب " لكن أراد امتحان علي في إنفاذ أمره، وأراد إظهار براءة المتهم، وكذب التهمة عيانا - وهكذا لم يرد الله تعالى إنفاذ ذبح إسماعيل بن إبراهيم - صلى الله عليهما وسلم - إذا أمر أباه بذبحه، لكن أراد الله تعالى إظهار تنفيذه لأمره - فهذا وجه الأخبار - والحمد لله رب العالمين.

فصح بهذا أن كل من آذى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فهو كافر مرتد يقتل، ولا بد - وبالله تعالى التوفيق؟

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية