مقدمة ابن الصلاح (معرفة أنواع علوم الحديث)
ابن الصلاح • علوم الحديث • ج1 ص429
تحقيق: د عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) أستاذ الدراسات العليا، كلية الشريعة بفاس، جامعة القرووين. — دار المعارف.
وإذا أخذ فيه فليشمر [عن (1)] ساق جهده (2) واجتهاده، ويبدأ بالسماع من أسند شيوخ مصره، ومن الأولى فالأولى من حيث العلم أو الشهرة أو الشرف أو غير ذلك.
وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده، فليرحل إلى ما غيره، روينا عن " يحيى بن معين " أنه قال: " أربعة لا تؤنس منهم رشدا: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدث، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث " (3).
وروينا عن " أحمد بن حنبل " - رضي الله عنه - أنه قيل له: أيرحل الرجل في طلب العلو؟ فقال: " بلى والله شديدا. لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر - رضي الله عنه - فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه " (4). والله أعلم.
وعن " إبراهيم بن أدهم " - رضي الله عنه - قال: " إن الله تعالى يدفع (5) البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث ".
ولا يحملنه الحرص والشره على التساهل في السماع والتحمل ، والإخلال بما يشترط عليه في ذلك، على ما تقدم شرحه.
وليستعمل ما يسمعه من الأحاديث الواردة بالصلاة والتسبيح وغيرهما من الأعمال الصالحة، فذلك زكاة على ما روينا (6) عن العبد الصالح " بشر بن الحارث الحافي " - رضي الله عنه -. وروينا عنه أيضا أنه قال: " يا أصحاب الحديث أدوا زكاة هذا الحديث، اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث ". وروينا عن " عمرو بن قيس الملائي " - رضي الله عنه - قال: " إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة؛ تكن من أهله ".