الموافقات — ج 1
الشاطبي • أصول الفقه • ج1 ص182
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
ولا يقال: إن الفعل كثير الشروط والموانع، ومفتقر إلى أركان بخلاف الترك؛ فإن ذلك فيه قليل، وقد يكفي مجرد القصد إلى الترك.
لأنا نقول: حقيقة المباح إنما تنشأ بمقدمات، كان فعلا أو تركا، ولو بمجرد القصد.
وأيضا؛ فإن الحقوق تتعلق بالترك كما تتعلق بالفعل، من حقوق الله، أو حقوق الآدميين، أو منهما جميعا، يدل عليه قوله, صلى الله عليه وسلم: "إن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا؛ فأعط كل ذي حق حقه" 1.
وتأمل حديث سلمان وأبي الدرداء2 -رضي الله عنهما- يبين3 لك هو وما في معناه أن الفعل والترك -في المباح على الخصوص- لا فرق بينهما من هذا الوجه؛ فالحساب يتعلق بطريق الترك كما يتعلق بطريق الفعل، وإذا كان الأمر كذلك؛ ثبت أن الحساب إن كان راجعا إلى طريق المباح؛ فالفعل والترك سواء، وإن كان راجعا إلى نفس المباح أو إليهما معا؛ فالفعل والترك أيضا سواء.
وأيضا؛ إن كان في المباح ما يقتضي الترك؛ ففيه ما يقتضي عدم الترك؛ لأنه من جملة ما امتن الله به على عباده، ألا ترى إلى قوله تعالى: {والأرض وضعها للأنام} ... إلى قوله: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 10-22] .
