الموافقات — ج 1
الشاطبي • أصول الفقه • ج1 ص193
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
ولا عراقي، ولا شامي؛ الزهد في الدنيا، وسخاوة النفس، والنصيحة للخلق".
قال القشيري1: يعني: أن هذه الأشياء لا يقول أحد: إنها غير محمودة.
والأدلة من الكتاب والسنة على هذا لا تكاد تنحصر، والزهد حقيقة إنما هو في الحلال، أما الحرام؛ فالزهد فيه لازم من أمر الإسلام، عام في أهل الإيمان، ليس مما يتجارى فيه خواص المؤمنين مقتصرين عليه فقط، وإنما تجاروا فيما صاروا به من الخواص، وهو الزهد في المباح، فأما المكروه؛ فذو طرفين، وإذا ثبت هذا؛ فمحال عادة أن يتجاروا فيه هذه المجاراة وهو لا فائدة فيه، ومحال أن يمدح شرعا مع استواء فعله وتركه.
والجواب من أوجه:
أحدها:
أن الزهد -في الشرع2- مخصوص بما طلب تركه حسبما يظهر من الشريعة؛ فالمباح في نفسه خارج عن ذلك لما تقدم من الأدلة، فإذا أطلق بعض المعبرين لفظ الزهد على ترك الحلال؛ فعلى جهة المجاز بالنظر إلى ما يفوت من الخيرات، أو لغير ذلك مما تقدم.
والثاني:
أن أزهد البشر -صلى الله عليه وسلم- لم يترك الطيبات جملة إذا وجدها، وكذلك من بعده من الصحابة والتابعين، مع تحققهم في مقام الزهد.
والثالث:
أن ترك المباحات [من حيث إنه مباح] 3؛ إما أن يكون بقصد أو بغير قصد، فإن كان بغير قصد؛ فلا اعتبار به، بل هو غفلة لا يقال فيه: "مباح"، فضلا عن أن يقال فيه: "زهد"، وإن كان تركه بقصد؛ فإما أن يكون
