شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الموافقات — ج 2

الشاطبي • أصول الفقه • ج2 ص333

تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان

خلاق، ككثير من رهبان النصارى وغيرهم ممن تزهد وانقطع عن الدنيا وأهلها، ولم يلتفت إليها ولا أخطرها بباله، واتخذ العبادة والسعي في حوائج الخلق دأبا وعادة، حتى صار في الناس آية، وكل ما يعمله مبني على باطل محض، وبين هذين الطرفين وسائط لا تحصى تقرب من الفريقين.

فالجواب من وجهين:

أحدهما: أن ما زعمت ظواهر، وغائبات الأمور قد لا تكون معلومة، فانظر ما قاله الإسكاف في "فوائد الأخبار" في قوله عليه الصلاة والسلام: "حبب إلي من دنياكم ثلاث" 1 يلح لك من ذلك المطلع خلاف ما توهمت من طلب الحظ الصرف إلى طلب الحق الصرف، ويدل عليه أنه جعل من الثلاث الصلاة، وهي أعلى العبادات بعد الإيمان، وهكذا يمكن أن يقال في سواها.

وأيضا، فإنه لا يلزم من حب الشيء أن يكون مطلوبا بحظ لأن الحب أمر باطن لا يملك، وإنما ينظر فيما ينشأ عنه من الأعمال، فمن أين لك أنه كان عليه الصلاة والسلام يتناول تلك الأشياء لمجرد الحظ، دون أن يتناوله من حيث الإذن؟ وهذا هو عين البراءة من الحظ، وإذا تبين هذا في القدوة الأعظم صلى الله عليه وسلم تبين نحوه في كل مقتدى به ممن اشتهرت ولايته.

وأما الكلام عن الرهبان2، فلا نسلم أنها مجردة من الحظ، بل هي عين الحظ، واستهلاك في هوى النفس؛ لأن الإنسان قد يترك حظه في أمر إلى حظ هو أعلى منه، كما ترى الناس يبذلون المال في طلب الجاه لأن حظ النفس في الجاه أعلى، ويبذلون النفوس في طلب الرياسة حتى يموتوا في طريق ذلك، وهكذا الرهبان قد يتركون لذات الدنيا للذة الرياسة والتعظيم، فإنها أعلى، وحظ الذكر والتعظيم والرياسة والاحترام والجاه القائم في الناس من أعظم الحظوظ

الصفحة السابقة الصفحة التالية