الموافقات — ج 2
الشاطبي • أصول الفقه • ج2 ص57
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
دركات الجحيم -أعاذنا الله منها- بعضها أشد، فالذي دون الأشد أخف من الأشد، والخفة مما يقتضيه وصف الرحمة التي تحصل مصلحة ما.
وأيضا، فالقدر الذي وصل إليه العذاب بالنسبة إلى ما يتوهم فوقه خفيف، كما أنه شديد بالنسبة إلى ما هو دونه، وإذا تصورت الخفة ولو بنسبة ما، فهي مصلحة في ضمن مفسدة العذاب، كما أن درجات الجنة كذلك في الطرف الآخر، فإن الجزاء على قدر1 العمل، وإذا كان عمل الطاعة قليلا بسبب كثرة المخالفة، كان الجزاء على تلك بالنسبة، ومعلوم أن رتبة آخر من يدخل الجنة ليست كرتبة من لم يعص الله [تعالى] 2 ودأب على الطاعات عمره، وإنما ذلك لأجل عمل الأول السببي، فكان جزاؤه على الطاعة في الآخرة نعيما كدره عليه كثرة المخالفة، وهذا معنى ممازجة المفسدة، فإذا كان كذلك، فالقسمان معا قسم واحد3.
فالجواب أنه لا يصح في المنقول ألبتة أن تكون الجنة ممتزجة النعيم بالعذاب، ولا أن فيها مفسدة ما بوجه من الوجوه، هذا مقتضى نقل الشريعة، نعم، العقل لا يحيل ذلك، فإن أحوال الآخرة ليست4 جارية على مقتضيات العقول، كما أنه لا يصح أن يقال في النار: إن فيها للمخلدين رحمة تقتضي مصلحة ما، ولذلك قال تعالى: {لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون} [الزخرف:75]
