الموافقات — ج 5
الشاطبي • أصول الفقه • ج5 ص402
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
ولا لإرسال النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فائدة؛ إذ يلزم أن لا تقوم الحجة على الخلق بالأوامر والنواهي والإخبارات؛ إذ ليست في الأكثر نصوصا لا تحتمل غير ما قصد بها، لكن ذلك باطل بالإجماع والمعقول، فما يلزم عنه كذلك.
ووجه رابع1: وهو أن مجرد الاحتمال إذا اعتبر أدى إلى انخرام العادات والثقة بها، وفتح باب السفسطة وجحد العلوم، ويبين هذا المعنى في الجملة ما ذكره الغزالي [عن نفسه] في كتابه "المنقذ من الضلال"2، بل ما ذكره السوفسطائية في جحد العلوم فبه3 يتبين لك أن منشأها طريق الاحتمال في الحقائق العادية أو العقلية؛ فما بالك4 بالأمور الوضعية؟
ولأجل اعتبار الاحتمال المجرد شدد على أصحاب البقرة إذ تعمقوا في السؤال عما لم يكن لهم إليه حاجة مع ظهور المعنى، وكذلك ما جاء في الحديث في قوله: "أحجنا هذا لعامنا أو للأبد؟ "5 وأشباه ذلك، بل هو أصل في الميل عن الصراط المستقيم؛ ألا ترى أن المتبعين لما تشابه من الكتاب إنما اتبعوا فيها مجرد الاحتمال، فاعتبروه وقالوا فيه6، وقطعوا فيه على الغيب بغير دليل؛ فذموا بذلك وأمر النبي7 عليه الصلاة والسلام بالحذر منهم.
