نيل الأوطار — ج 6
الشوكاني • الفقه • ج6 ص56
تحقيق: عصام الدين الصبابطي — دار الحديث، مصر
<span class="matn">فمن يلي عمر فقد رأى الذين أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني، فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة، فقال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت: أي إن شئت قتلنا، قال: كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم؛ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه. ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة فقال: وددت ذلك كفافا لا علي ولا لي؛ فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، فقال: ردوا علي الغلام، قال: يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا ونحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال؛ انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليكم عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرأ عمر بن الخطاب عليكم السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي؛ فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين؛ أذنت. قال: الحمد لله ما كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا قبضت فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين؛ وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير تتبعها؛ فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير
</span><span class="matn-hr"> </span>
[نيل الأوطار]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
#
