تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 168
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
جاهل، ومن قال: أنا في الجنة فهو في النار ).
فمقتضى هذه الأدلة وغيرها عدم جواز تزكية النفس ومدحها، وهذا هو الأصل الذي يجب على المسلمين التمسك به، فإن الإعجاب بالنفس من الأمراض المهلكة، وهو داء إبليس الذي قال: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ [الأعراف: ١٢]، وداء صاحب الجنتين الذي قال لصاحبه: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾ [الكهف: ٣٤]، فكان عاقبته أن أحيط بثمره، وأبيدت جنتاه، وهو داء فرعون الذي يقول عن موسى: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴾ [الزخرف: ٥٢]، وكفى بعاقبة هؤلاء عظة وعبرةً في التحذير من مدح النفس وتزكيتها.
ولا يُستثنى من ذلك إلا موضع الضرورة والحاجة، التي لابد أن تقدر بقدرها فلا يزاد عليها، وقد دل على الرخصة في موضع الحاجة والضرورة قول يوسف عليه السلام: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: ٥٥]، وذلك أن الملك كان لا يعرف فيه القدرة على الحفظ والضبط لبيت المال، وطرق حفظ الغلال ونحو ذلك، فاحتاج إلى البيان، وكما قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴾ [مريم: ٤٣]، وذلك لترغيب أبيه وحثه على متابعة دين الحق، وكقول النبي ﷺ: « إِنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِالله وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً » (١)، وقوله ﷺ: « أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ » (٢). وذلك ليعلم الناس الاعتقاد الواجب فيه ﷺ وأنه أعلم الخلق بالله وأخشاهم له، وليحذرهم من الغلو المذموم في العبادة، بتحريم ما أحل الله، أو إيجاب ما لم يوجبه، وكقول عائشة - رضي الله عنها - عن نفسها: ( عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ ) (٣) حين سئلت عن بعض شأن النبي ﷺ، وقول ابن مسعود رضي الله عنه: ( وَالله الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ الله إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ الله إِلَّا
______
(١) رواه البخاري (٢٠)، ومسلم (١١٢٧).
(٢) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (٢٢٧٨)، والترمذي (٣١٤٨)، وأحمد (٩٣٤٠) واللفظ له.
(٣) سبق تخريجه ص (١٠٩).