تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 169
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ (١)، ونحو ذلك للترغيب في طلب العلم وأخذه عنه.
وعلى أي حال، فالأصل في هذا الباب، الامتناع من مدح النفس وتزكيتها، والحذر على النفس من ذلك، وهؤلاء الأفاضل منهم الأنبياء المعصومون، ومنهم الأولياء المتقون المشهود لهم بالفضل من النبي ﷺ، فمن يشهد لمن يمدح نفسه؟ ومن يضمن له حسن نيته وهي تتقلب على المرء في الساعة الواحدة مرات؟ والسلامة لا يعدلها شيء، والفرق بين الحق والباطل في هذا المقام ربما كان أدق من الشعرة وأحد من السيف، وربما تخفى حظوظ النفس على صاحبها ويوهم نفسه بأنه يعمل المباح، وحقيقة الأمر هو العُجب المحرم والغرور المذموم، فيا لأمثالنا وتزكية نفوسهم ومدحها وذكر فضائلها؟ وما أكثر من تغره نفسه في الفضائل التي هي عارية عنها، وإنما هي دعوى وتشبع بما لم يُعْطَ، فإذا كان مدح الإنسان نفسه بما يتيقن من فضائلها، الأصل فيه المنع، والجواز على قدر الضرورة والحاجة مع شرط سلامة النية وحسن القصد والإخلاص، الذي هو أعز شيء، والشرك في هذا المقام أخفى من دبيب النمل، فكيف بما يُشك فيه أهو في النفس أم لا؟ فكيف بما يعلم أنه دعوى؟ وكيف بما يعلم أن النية فيه لغير الله عز وجل؟، فنسأل الله العافية، ونعوذ به من الكبر والعُجب والغرور.
وعندما ينظر المرء إلى المجتمعات المعاصرة، والنظم التي اختارتها لنفسها في تولية الولايات، وهي تزعم أنها في قمة الحضارة، وأرقى ما وصلت إليه الإنسانية من الحرية والعدالة، يرى كيف يزكون أنفسهم بما ليس فيهم لنيل حظ من حظوظ الدنيا، ويغتابون غيرهم ويَنُمُّون لإفساد صورتهم عند الناس ليصرفوهم عن اختيارهم، فتكون ما يسمونه بـ (المعارك الانتخابية)، وقد تسفك فيها الدماء، وقطعًا تنفق فيها الملايين من الأموال، وتُشترى الذمم والولاءات، عندما يرى المرء ذلك، يعلم صدق
______
(١) سبق تخريجه ص (١٠٩).