شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 171

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

وهذه هي النهاية المريحة للنفوس التي مدار الحياة عندها على قضية الشهوة الجنسية، وأنها هي المحرك الأساسي للدوافع والرغبات الإنسانية، وإن كنا لا نجزم ببطلان هذه القصص، بل يحتمل الأمر الصدق أو الكذب، فهذه من الإسرائيليات التي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب. إلا إننا نجد القرآن أعرض عن ذكر هذه النهاية أو غيرها لامرأة العزيز، بل سكت عنها واختفى ذكرها إلى نهاية القصة، فقد كانت هذه المرأة كالمطية التي وصل بها يوسف ﵇ إلى ما وصل إليه؛ كانت بلاء عليه مدة من الزمن؛ ثم جعل الله البلاء سبباً للعافية، وجعل محاولة الإذلال سبباً للعز، وجعل السجن سبباً للملك بقدرته سبحانه، واختفت امرأة العزيز من القصة تهويناً لشأنها، وشأن هذه القضية أصلاً، قضية نيل الشهوة، قد يكون الأمر أنه تزوجها بالفعل، وقد يكون أنها ذلت وصارت تقف صاغرة على ظهر الطريق، كما تشير إليه رواية الفضيل بن عياض التي ذكرت، أنها وقفت على ظهر الطريق حتى مر يوسف ﵇، فقالت: (الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، والملوك عبيداً بمعصيته)، فهذه الرواية - وهي أيضاً إسرائيلية مما لا يصدق ولا يكذب - تشعر بأنه لم يتزوجها، بل إن المرأة هانت وذلت فصارت من العبيد، والله أعلم.

إن سكوت القرآن عن هذا الأمر ذو فائدة تربوية عظيمة، فيما ينبغي أن يهتم به الإنسان، إن مركز الدائرة في اهتمامات المؤمن ليست هذه القضية، ولا غيرها من قضايا الدنيا، إن مركز اهتمامه هو قضية العبودية والمعرفة بالله عز وجل ومحبته وتعظيمه وطاعته، فلابد أن ننتبه إلى ما ذُكِرَ وما سُكِتَ عنه في القرآن، كما تجد مثلاً آخر في هذا المقام في قوله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، فقد آتاه الله جمالاً عظيماً هو الذي تعلقت به امرأة العزيز، ولم يذكر الله عز وجل هذا الجمال والحسن فيما أنعم به عليه - وهو بلا شك نعمة -، ولكن إنما ذكر الله - سبحانه - الحكم والعلم والإحسان لنعلم التفاوت في أنواع النعم، وأن أعظمها الذي ينبغي أن يتعلق به قلب المؤمن، ويلهج بطلبه، ويلح في سؤاله، هو ما

الصفحة السابقة الصفحة التالية