تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 174
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
التمكين
حيث يشاء، كل هذا برحمة أرحم الراحمين ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ﴾، إنها رحمة أصابه الله بها، وليس هذا خاصاً به، بل هو أمر عام ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ﴾ فكل من أراد الله عز وجل أن يصيبه برحمته، فَعَلَ به ما شاء من ذلك، فلا يستطيع أحد أن يمسك رحمته ﷺ، فلتتعلق القلوب إذن بالرحمن الرحيم، ولتشهد قضاءه وقدره ومشيئته وفضله ﴿ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ فكما أن الله لم يُضِعْ صبر يوسف عليه السلام على أذى إخوته، وعلى السجن والفتنة بسبب امرأة العزيز، وجازاه سبحانه أعظم الجزاء على إحسانه في عبادة ربه وإخلاصه ومراقبته، وإحسانه إلى الخلق وكرمه وجوده، فكذلك سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، بل يجزي كل محسن بإحسانه في الدنيا والآخرة، فهذا أعظم ترغيب في الإحسان بين العبد وربه، وبينه وبين الناس، ولكن لابد أن تتعلق القلوب بالأجر الباقي الدائم ﴿ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾. فقد جزى الله يوسف عليه السلام على صبره وإحسانه ملك مصر، وادّخر له من الفضل في الآخرة أعظم وأجل من مُلك مصر، بل ما يُعده الله لكل محسن عنده في الآخرة، أعظم وأجل من ملك مصر، كيف لا وأدنى أهل الجنة منزلة من يُعْطَى عشرة أمثال الدنيا؛ فأجر الآخرة أكبر وأعظم وأجل من كل ملك في الدنيا؛ وعلى العبد أن يسعى في تحصيل أجر الآخرة بالإيمان، والتقوى ﴿ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾، إذن لابد أن لا يكون أمل النفوس هو التمكين في الأرض لأجل الراحة والملك؛ بل أجر الآخرة هو الرجاء؛ والسبيل إليه هو الإيمان والتقوى، والتمكين في الأرض عند أهل الإيمان والتقوى إنما هو وسيلة لعبادة الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: ٤١] فهو وسيلة لمزيد من الإيمان والتقوى من المؤمنين، ولنشر الإيمان والتقوى في الأرض، لينال أهلها أنواع الخيرات في الدنيا والآخرة.
وَعَطْفُ التقوى على الإيمان في الآية الكريمة: ﴿ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ من باب عطف الخاص على العام، فإن الإيمان قول وعمل، والتقوى جزء من حقيقته،