شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 173

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

التمكين

قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾.

في وسط أحداث القصة يأتي هذا النور الباهر العظيم، الذي يربط العبد بأسماء الله وصفاته وأفعاله، بتدبيره وملكه، برحمته وفضله، بعزته وقهره، بمشيئته وكرمه، فله الحمد كما يقول، وخيراً مما نقول، لا نحصي ثناءً عليه، لا تظن أيها السامع للقضية، بل والمشاهد لها الحاضر قلبه معها، أن الأحداث تجريها أيدي البشر، أو تصنعها أفكار الناس، أو تُقَلَّبُ أمورها بتخطيط الخلق ومكرهم، بل إن الأمور بيد الله، وتدبيرها من عنده ﴿ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ﴾ فالله الذي مَكَّنَ ليوسف عليه السلام، هو الذي صنع له، ومكر له، وفرج عنه، ونصره وأعزه، وأبدله بعد السجن سعة الملك، وبعد كُرْبِ اتهام الزور فرج البراءة، وبعد ذل الرق عزّ السلطان، وبعد شدةِ الاستضعاف رخاءَ التمكين.

وتأمل الاختصار الرائع في هذا الموطن، حيث لم يذكر أن الملك قد أجابه إلى طلبه، وولاه خزائن الأرض، وصار يوسف عليه السلام وزيراً مكان العزيز، بل وفي حقيقة الأمر صار هو الملك المطاع، وصارت مكانته عند ملك مصر أعظم بكثير من منزلة وزيره العزيز، ومعلوم أن هذا قد وقع وهو مفهوم من السياق، لكن اختصره القرآن ليأخذك إلى المعاني الإيمانية الأهم من ذلك، ألا وهو شهود أفعال الرب - سبحانه - ﴿ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ﴾ فالله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

صار يوسف عليه السلام يتصرف في الأرض - أرض مصر - كيف يشاء، ويتخذ منزلاً

الصفحة السابقة الصفحة التالية