شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 193

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

مسؤولية خاصة وميثاق من الله

ولا يستعمله إلا في الأمور العظيمة حتى تظل له قيمته العظيمة في القلب.

وتأمل في شفقة يعقوب عليه السلام على بنيه حين يقول لهم مستثنياً: ﴿ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُم ﴾، فهو يعلم أنه قد يأتيهم أمر يعجزون عنه ولا يستطيعون دفعه، فلا يُحَمِّلهم ما لا يطيقون ولا يأخذ عليهم عهداً مطلقاً بلا استثناء، لو حصل ما يعجزهم لكانوا ناقضين له، وهو لا يريد لهم نقض عهدهم مع الله عز وجل، ويشفق عليهم كما كان رسول الله ﷺ يفعل في بيعته، كما في حديث أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نِسَاءٍ نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ عَلَيْنَا مَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ ﴿ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ فَبَايَعَهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، وَقَالَ: « فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ »، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تُصَافِحُنَا؟ قَالَ: « إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ » (١).

فهذه شفقة الأنبياء ورحمتهم بأتباعهم، وهي أيضاً تؤدي إلى تعظيم عهد الله عز وجل وموثقه، فإن شعور العبد بأن انتقاض موثقه مع الله ولو بغير إرادته أمر عظيم هو تعظيم لعهد الله، فإذا استثنى عند العهد ما ليس في الاستطاعة والطاقة لم يكن ناقضاً للعهد، فيظل الميثاق على منزلته وقيمته في نفسه، والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾، عاد يعقوب عليه السلام ليؤكد على تكوّن هذه العلاقة الخاصة مع ربهم - سبحانه - و ﴿ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾، فالله عز وجل هو الذي نتوكل عليه في الوفاء بهذا العهد والموثق، وهو الذي نُشهده عليه ونستحضر مراقبته لنا في الوفاء به، وكل هذا التأكيد على هذه المعاني لأن الإيمان إذا استقر في القلب كان هو المُحرك والمؤثر في السلوك، وإذا ضعف أو زال كان نقض العهود وخيانة الأمانات وكذب الحديث والظلم والعدوان والحقد والحسد، نعوذ بالله.

______

(١) صحيح: رواه النسائي ( ٤١٨١ )، والترمذي ( ١٥٩٧ )، ومالك ( ١٨٤٢ ) الموطأ، وأحمد ( ٢٦٤٦٩ ) واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح الجامع ( ٢٥١٣ ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية