شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 192

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

مسؤلية خاصة وميثاق من الله

وغلظ الأمر على بنيه بأخذ عهد وميثاق من الله عز وجل عليهم، أي: يحلفون له ويعاهدون الله - سبحانه - أن يأتوا بأخيهم إلا أن يُحاط بهم، أراد يعقوب العلي أن يجعل عهدهم معه عهداً وموثقاً منهم لربهم - سبحانه -، فالنقض في هذه الحالة ليس نقضاً مع أبيهم فقط، بل نقضُ مع ربهم ﷻ وهذا لا شك أعظم وأشد، كما كان النبي ﷺ يقول لمن يبعثه غازياً: « وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ » (١).

وأراد يعقوب العلي بذلك أن يستشعر أبناؤه هذه المسؤولية الخاصة أمام ربهم - سبحانه -، تلك المسؤولية التي تُنبت صدق المراقبة، فالعبد إذا استحضر أن عهده إنما هو مع الخلق، فإنما يراقبهم هم، فإذا غابوا عنه أو غاب عنهم سهل عليه النقض والمخالفة، وأما إذا تكونت هذه المراقبة لله - سبحانه - وصار يعامل ربه ﷻ، فأين يغيب عنه؟ وبالفعل كان لهذا الموثق أكبر الأثر في أبناء يعقوب العلي في بذل كل جهد منهم للرجوع ببنيامين.

قارن بين تفريطهم في يوسف العلي، وحرصهم على عودة بنيامين لأبيهم حتى عرضوا أن يُؤخذ أحدهم يدفع إلى العزيز بدلاً من بنيامين وفداءً له، على الرغم من أن الحسد لم يَزَلْ بَعْدُ بالكلية من قلوبهم، حيث قالوا: ﴿ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخُ لَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾، ومع ذلك كان الموثق من الله هو السبب الأول في بذل كل جهد منهم وبقاء أحدهم في مصر وعدم عودته إلى بلده وأهله محاولةً لأخذ بنيامين، وهذا يدل على أثر التربية على تعظيم العهد مع الله ﷻ والمعاملة معه - سبحانه -، وهكذا كان السلف يعظمون العهد على الصغار، كما في الأثر عن إبراهيم النخعي: ( كانوا يضربوننا على العهد ونحن صغار )، فينبغي للمربي أن ينتبه لهذا الأمر ويغرسه في قلب من يربيه.

______

(١) رواه مسلم (١٧٣١)، والترمذي (١٧١٦)، وابن ماجة (٢٨٥٨).

الصفحة السابقة الصفحة التالية