تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 195
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
توكل يعقوب
@@ قال تعالى: ﴿ وَقَالَ يَبَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
تغيرت طريقة الحديث بين يعقوب عليه السلام وبين بنيه، فمن أول القصة إلى هذا الموضع في كل خطابات يعقوب عليه السلام لهم لم يذكر لهم مرة ﴿ يَبَنِيَّ ﴾ إلا هذه المرة، فهذه أول مرة ذُكرت في القرآن يخاطبهم يعقوب عليه السلام فيها بـ ﴿ يَبَنِيَّ ﴾، هذا النداء الحبيب المحبب المذكر بالرابطة العظيمة والوشيجة الحبيبة والعلاقة الحانية، لكن لماذا تغيرت الطريقة ولماذا في هذا الموضع بدأ يعقوب يخاطبهم بـ ﴿ يَبَنِيَّ ﴾؟
نجد - والله أعلم - أن ذلك وُجد من يعقوب عليه السلام لما رأى منهم بداية العلاقة الخاصة مع ربهم - سبحانه -، بالموثق وبالمراقبة وبالتوكل، بدأت القلوب تتحرك نحو الذكر ونحو الشعور بأسماء الله وصفاته وآثارها، فرق قلب يعقوب ورقَّ لسانه ﷺ، وهكذا كلما ذكر الإنسان ربه وتعلق به واستحضر مراقبته والتوكل عليه وحده.... وفدت إليه قلوب المؤمنين بل والخلق كلهم بالود والحب ونطقت ألسنتهم بآثار هذه الوفادة، بخلاف القلب البعيد عن الله وعن ذكر الله ومحبته ومعرفته تنفر منه القلوب ولا تنطق الألسنة إلا باللعن والشتم، حتى لو نطقت بالمدح - رغبة أو رهبة أو مصلحة - فإنها لا تزال عند غياب المراقبة أو زوال الرهبة أو فوت الرغبة والمصلحة تنطق بأنواع