شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 196

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

توكُّلُ يعقوبَ عليه السلام

الخبث والكراهية التي يشقى الإنسان بسماعها، فضلاً عن تخيل حقيقة ما في القلوب من البغض الذي عبرت عنه الألسنة، مساكين مساكين من حياتهم صباحاً ومساءً في لعن وشتم لأنفسهم وأهليهم وأولادهم ورؤسائهم ومرؤوسيهم ومن حولهم، أحاطوا أنفسهم بالمقت والبغضاء لما حرموا أنفسهم من ذكر الله واستحضار أسمائه وأفعاله، فالله المستغاث المستعان، وإليه المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا به.

قال ابن كثير - رحمه الله -: ( يقول تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر ألا يدخلوا كلهم من باب واحد وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد: إنه خشي عليهم من العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر وبهاء، فخشي أن يعينهم الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه، وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في الآية في قوله: ﴿ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب، وقوله: ﴿ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أي: إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله ولا قضاءه، فإن الله إذا أراد شيئاً لا يخالف ولا يمانع ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين لهم: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ قال قتادة والثوري: لذو علم بعمله، وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ) أ.هـ.

الله - سبحانه وتعالى - أعلم بحاجة يعقوب عليه السلام من أمره بنيه بالدخول من أبواب متفرقة، فإن الله لم يبينها في كتابه، ولم يبينها رسول الله ﷺ في سنته، فلا تعرف إلا على سبيل الظن والاحتمال، إن يعقوب عليه السلام كتم حاجته في نفسه ولم يخبر بها الناس، وحمى الله هذه الخصوصية بينه وبين ربه فلم يكشفها للناس، بل صار هذا مثلاً يضرب لما يكتمه الإنسان في نفسه من أغراض فيقال: ﴿ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ ﴾.

الصفحة السابقة الصفحة التالية