تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 209
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
نجاح الحيلة
الكيد من الله - سبحانه - ليظل هذا الالتزام قائمًا، والله أعلم.
وفي قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ﴾ أي: حكمه وشرعته؛ وهذا دليل على أن لفظ الدين معنيّ به التزام الشرع والحكم، وإن كان استعماله في معنى الملة أوسع إلا أن من أجزاء الملة التزام الشريعة والحكم، فلا يصح ولا يثبت دين الإسلام لشخص لا يلتزم شرع الله - سبحانه - الذي شرعه لجميع الخلق وافترض عليهم اتباع محمد ﷺ الذي جاء له، وقد سبق البحث في كون الملك مسلمًا كما حكاه مجاهد، وسبق الكلام على عدم تطبيق يوسف عليه السلام شريعة يعقوب عليه السلام على أهل مصر لأنها ليست لازمة لهم، وإنما دعاهم إلى التوحيد والإيمان بالله - سبحانه - واليوم الآخر، وهذا الذي كان يلزمهم، ولهذا ساغ للملك أن يظل مع إسلامه - لو ثبت - على دينه، أي: حكمه وشرعه السابق لأنه لم يرد ما يلزمه بمخالفته وتركه، وهذا لا يسوغ الآن لأحد من أهل الأرض مع شرعة محمد ﷺ الذي قال له ربه: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥].
ويوسف عليه السلام لما تحاكم إليه إخوته، حاكمهم إلى شرعهم اللازم لهم بتوفيق الله - سبحانه - ومشيئته، ولما كان هذا الأمر دالًا على منزلة يوسف عليه السلام وحسن تصرفه وتدبيره وعلمه، مدحه الله - سبحانه - فقال: ﴿ نَّرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ﴾، فالله رفع يوسف عليه السلام على إخوته درجات متعددة في الإيمان والنبوة، وفي الخلق والسلوك، وفي العقل والعلم وحسن التدبير، فسبحان الله في قسمه وعطائه، وتفضيله من شاء بفضله ونعمته، والحمد لله على عطائه ومنحه وحفظه ورفعه، وتأمل كيف ذكر الله ذلك من خلال ذكر أفعال الرب - سبحانه -: ﴿ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾، ﴿ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ﴾، ﴿ نَّرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ﴾، ثم ختمت الآية بذكر صفة العلم لله سبحانه فوق كل العلماء: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾، وقد أنكر ابن عباس رضي الله عنهما على من ظن أنها ثناء على البشر، حين احتج بها من احتج على علم ابن عباس رضي الله عنهما، فقال له: بئس ما قلت.