شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 208

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

نجاح الحيلة

وفي قوله تعالى عنهم: ﴿ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ﴾ دليلٌ على أن السرقة من الإفساد في الأرض، وذلك لأنها انتهاك لحرمة أموال الناس، مع أن أهل مصر كانوا على غير الإسلام، إلا إن السرقة ممن دخل دار الكفر بأمان من أهلها - وكذا كل أنواع الإفساد في الأرض من قتل أو قطع طريق أو غير ذلك - كل هذا نقض للعهد؛ وذلك أن من دخل دار الكفر بأمان من الكفار يُعد أماناً منه - أي الداخل - لهم على أنفسهم وأموالهم وأهليهم، فلا يجوز أن يتلصص عليهم، ولا أن يسفك دماً أو ينتهك حرمة لهم، وهذا الحكم في شرعنا باق عند جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة وغيرهم، ذلك لأنهم ما أعطوه الأمان إلا على ذلك، والمشروط عرفاً كالمشروط لفظاً، ولذا كان من دخل ديار الكفر والحرب بما يعرف اليوم بتأشيرة الدخول داخلاً بأمان، فلا يجوز أن يقتل منهم أحداً، ولا أن يأخذ مالاً، لا على وجه المغالبة ولا على وجه التلصص، بل يكون مفسداً في الأرض، والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ﴾ فيه استعمال التورية والتلطف لئلا يشكوا أن في الأمر حيلة، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ ففيه إثبات صفة الكيد لله - سبحانه وتعالى - وهو التدبير في الخفاء من حيث لا يشعرون، والله قد وصف نفسه بهذه الصفة في سياق المدح والثناء، لأن كيده سبحانه هو خير الكيد لا نقص فيه ولا ذم، وإن كان لا يُشتق من هذا الفعل اسم له سبحانه مثل الكائد، ولا ينبغي أن يُطلق الفعل مجرداً عن السياق، بل يُذكر الفعل في سياقه الدال على الكمال، لأنه كاد سبحانه في الخير، وكاد سبحانه بمن يستحق أن يُكاد بهم لما تقدم من ظلمهم واستحقاقهم عقوبة ما صنعوا بأخيهم من قبل، وكذلك كان هذا الكيد لكي يظل يوسف ﴿عليه السلام﴾ في خصومته مع إخوته ملتزماً بالشريعة التي تلزمهم جميعاً وهي شريعة إبراهيم ﴿عليه السلام﴾ كما تقدم، وهو لم يكن يلزمه أن يطبقها في أهل مصر؛ لأنها لم تكن شريعة عامة لأهل الأرض جميعاً كشريعة الإسلام التي بُعث بها النبي محمد ﷺ، لا يسوغ لأحد أن يخرج عنها، وإنما كانت لازمة ليعقوب ﴿عليه السلام﴾ وأبنائه، فكان هذا

الصفحة السابقة الصفحة التالية