تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 220
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
﴿ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾، قال قتادة وعكرمة: بما علمنا وهو أن ابنك سرق، وقال ابن زيد: ما علمنا في الغيب أنه سرق له شيئاً إن سُئِلْنَا ما جزاء السارق؟ يعنون بذلك الاعتذار والتنصل لأن ظاهر الأمر أنهم السبب في أخذ أخيهم، رغم أن ذلك ليس هو جزاء السارق في حكم الملك، فهم يعتذرون إلى أبيهم بأنهم حين التزموا للعزيز بأن جزاء من وجد في رحله فهو جزاؤه، ما كانوا حافظين للغيب، أي: عالمين به، وهو أن أخاهم قد سرق شيئاً، فهم ما شهدوا إلا بما علموا من شريعتهم أن جزاء السارق أنه يدفع إلى المسروق منه، أي: ولو كانوا يعلمون الغيب وأن أخاهم قد سرق، لما التزموا بذلك، والله أعلم.
وقوله عنهم: ﴿ وَسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ﴾ يعنون: مصر، هذا هو الظاهر، وهو قول قتادة، ﴿ وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ أي: القافلة التي رافقناها، اسألهم عن صدقنا وأمانتنا، ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ تأكيد لصدقهم بـ ﴿ إِنَّ ﴾ المؤكدة ولام التوكيد، ولكن ما يغني التأكيد عمن جُرِّبَ عليه الكذب قبل ذلك، وما يغني السؤال عن أمانة من عُلِمَ عنه خيانة الأمانة قبل ذلك، إن اليقين المعلوم في النفس أبلغ من السؤال، خصوصاً السؤال الذي لا يمكن، فأنى ليعقوب العليقة أن يسأل أهل مصر؟ ولكنهم لا يدورن ماذا يصنعون، وكيف يقنعون أباهم بأن هذه المصيبة الهائلة الجديدة لا صُنع لهم فيها، وأنهم ما فرطوا هذه المرة؟!
لكنه الجزاء العدل من الله - سبحانه - للكاذب الخائن الفاجر، أن يرد خبره كله ولو صدق في بعضه، وᫎيُحَكَّمُ في شأنه كله ولو كان أميناً في بعضه، ويُعَامَلُ كفاجر في أمره كله ولو عدل في بعضه، وفي هذا حجة لأهل الحديث في رد حديث من عُرِفَ بالكذب مع أنه لا يكذب في كل حديثٍ يحدثه، ولكن طالما ثبت كذبه مرة فيجب معاملته كذلك حتى يتوب وتحسن توبته، والله أعلم.
كل هذا أصابهم بسبب ما صنعوا بيوسف العليقة منذ زمن طويل، فعقوبة العاصي