تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 232
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
انكسار وضعف
قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَنَّا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيۡنَآ إِنَّ ٱلْلَّهَ يَجۡزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ [يوسف: 88]
ذهب إخوة يوسف العلية إلى مصر، ودخلوا على يوسف العلية في حالة ذِلٍ وضعفٍ ما حصل لهم قبل ذلك أبداً، قالوا: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَنَّا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ ﴾، وهذا النداء كما سبق فيه إشعار بعزته وذلهم، رغم أنه لقب إلا أنه حق بالنسبة ليوسف العلية، وفي قولهم: ﴿ مَسَنَّا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ ﴾ أي: الجدب والقحط وقلة الطعام، وما نزل بهم من بلاء فَقْدِ أخيهم مع حزن أبيهم وفقده بصره بسببهم فيه زيادة انكسار وخضوع، وفي قولهم: ﴿ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍ مُّزْجَاةٍ ﴾ قال ابن عباس ﷺ: الرديء الذي لا يَنْفُق مثل خَلَقِ الغرائر - أي: الأجولة القديمة - والحبل والشيء، فليس عندهم بضاعة مقبولة في السوق نافقة، بل الأكياس الخلقة القديمة والحبال، وفي رواية عن ابن عباس ﷺ قال: الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان، قال الضحاك: مُزجاة: كاسدة، قال ابن كثير: ( وأصل الإزجاء الدفع لضعف الشيء )، فهي بضاعة مردودة لضعف قيمتها، وفي هذا القول مزيد انكسارٍ وذلٍ، فهم لا يطلبون ما يأتي من الكيل الوافي على سبيل الاستحقاق وبذل الثمن، بل على سبيل الصدقة والإحسان منه لهم والمنّ عليهم، ﴿ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيۡنَآ إِنَّ ٱلْلَّهَ يَجۡزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ أي: أعطنا بهذه البضاعة الكاسدة ما كنت تعطينا قبل ذلك وتَصَدَّقْ علينا برد أخينا، وهم لا يستطيعون مكافأته ورد جميله بل يطلبون له من الله الجزاء: ﴿ إِنَّ ٱلْلَّهَ يَجۡزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ آل أمر أخوة يوسف العلية بعد الظلم والطغيان والعدوان إلى أن أصبحوا يسألون الصدقة، سبحان الله ! يعز من يشاء ويذل من يشاء، أيُّ ذلٍ وانكسار أشد من هذا الذي حصل