شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 233

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

انكسار وضعف

لهم بسبب ذنوبهم ومعاصيهم !!

وإنما طلبوا بانكسارهم ذلك عطية المحسن الكريم الذي علموا إحسانه وجوده، وإذا كان هذا حال من سأل مخلوقاً فَرَحِمَه عندها وجَبَر كسره، فكيف بمن يسأل بهذا الذل والانكسار أكرم الأكرمين وأجود الأجودين؟ بل الإحسان والكرم لا ينبغي أن يُرجى إلا منه سبحانه وبحمده، فينبغي على العبد المؤمن أن يدعو ربه مستحضراً ذله وعزة ربه، العزيز حقاً سبحانه الذي لا تنبغي العزة إلا له، متوسلاً إلى الله - سبحانه - بما أصابه من البلاء - وأحسن البلاء ما كان في سبيل الله - وما أصاب أهله كذلك، فإن ذلك من أسباب استجلاب الرحمة، لأن الله عز وجل يلتمس فضله بضعف الضعفاء، قال رسول الله ﷺ: « وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ »(١)، ويرجى جبره لقلوب المنكسرين غير المعجبين الفخورين، فليقدِّم المؤمن في دعائه شهوداً بأن عمله وسعيه هو كبضاعة مزجاة بائرة كاسدة، فلو عامله الله بعدله رد عليه عمله؛ لما فيه من آفات ظاهرة وباطنة يستحق أن يرد بها، إلا أن طمعه ورجاءه في كرم أكرم الأكرمين الشكور الذي يقبل القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل، هو الذي يدفعه إلى طلب الفضل والمنة والمنحة، وليس أنه يستحق على ربه شيئاً، ومن أكرم من الله الذي يوفي الأجر على عملٍ كاسدٍ، وما فيه من خير؟! هو الذي مَنَّ به على عبده ووفقه له، وهداه وسدده، وألهمه رشده حتى عَلِمَهُ، وأحبه وأراده وعزم عليه، ونواه وعَمِلَهُ، وهو المسؤول أن يقبله صدقة منه على عبده، وهو الكريم المنان، وقد اشتهرت هنا مسألة وهي هل يجوز أن يقول الرجل في دعائه: ( اللهم تصدّق علي )؟ روى ابن جرير بسنده عن عثمان بن الأسود قال: سمعت مجاهداً سُئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي؟ قال: نعم، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب.

وهذا القول ليس بصحيح، بل لا كراهة في هذا؛ لحديث عمر رضي الله عنه في صحيح مسلم في سؤاله النبي ﷺ: ما بالنا نقصر - أي الصلاة - وقد أَمِنَّا؟ فقال النبي ﷺ:

______

(١) رواه البخاري (٢٨٩٦)، وأبو داود (٢٥٩٤)، والنسائي (٣١٧٩)، وأحمد (١٤٩٦).

الصفحة السابقة الصفحة التالية