تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 236
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
@@ # عفو وصفح
يُخَلِّف وإن استبطأه الناس، تأمل في شرف هذه النفوس وكرمها، فما زاد يوسف ؑ على هذه الكلمة في عتابه لهم رغم شدة الجرم وفداحة الظلم، وما عتب عليهم بعدها ولا قبلها بغيرها، وإنما يتيسر مثل هذا مع كمال الغنى بالله - سبحانه - ومشاهدة مَنِّه وفضله فلا يجد حب الانتقام إلى القلب سبيلاً.
ووالله إن صاحب مثل هذا القلب الرحيم والصدر المنشرح ليجد حلاوة زوال الغِلِّ من قلبه، وهذه أيضاً دقيقة من نعيم أهل الجنة: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ [ الأعراف: 43 ]، فالغل وحب الانتقام مؤلم للإنسان، وإرادة أذيّة الخلق مؤلمة للنفس، وإن كان أكثر الناس لا يفهمون، والمؤمن إنما يصرف رغبته في الانتصار إلى الانتصار لله عز وجل إذا خولف أمر الله وظهرت معصيته، ولا يدع ( زبالة ) الانتقام للنفس تُفسد عليه حال قلبه، فاللهم اشرح صدورنا بالعفو، واملأ قلوبنا غنى بك عمن سواك.
وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ﴾ كان وقع المفاجأة هائلاً عليهم، وهل كان يخطر أو يمكن أن يجول بخاطرهم مجرد احتمال أن يكون عزيز مصر في ملكه وأبهته هو أخاهم يوسف ؑ الذي باعوه رقيقاً في صغره لمن ظنوا أنه يسومه سوء العذاب؟ فقالوا على سبيل الاستفهام والاستعظام والتعجب: ﴿ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي ﴾، فأظهر لهم أخاه أيضاً في أحسن حال، وليس رقيقاً مستعبداً كما كانوا يظنون، وقوله: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ فيه شهود نعمة الله ومنته وفضله بالجمع بينهما بعد الفرقة، وبالتمكين بعد الاستضعاف، وبالثبات على الدين والطاعة، ووجود الألفة والمحبة وغير ذلك مما لا يحصيه أحد، ﴿ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، وهذه قاعدة كلية عامة لكل زمان ومكان ولكل أحد، فيها بيان عاقبة التقوى والصبر والإحسان، فالله - سبحانه - لا يضيع عمل المحسنين ولا أجرهم، وهم من أحسنوا في عبادة ربهم حتى كأنهم يَرونه، فيثمر لهم ذلك الغنى بالله - سبحانه -، فيفيض من قلوبهم على الخلق من حولهم رحمة.