تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 237
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
@@عفو وصفح
وإحساناً وعفواً وصفحاً وغفراناً.
والتقوى والصبر من أعظم علامات الإحسان، فهو يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي ويصبر على ما يصيبه، والناس في هذا المقام أربعة: منهم من لا تقوى له ولا صبر، فهو في غي شهواته، فإن أصابته مصيبة فهو يؤوس كفور، وهو أسوأ الأنواع، ومنهم من يتقي عند الرخاء، فإذا أصابته مصيبة فلا صبر له فيجزع ويتسخط، فلا يصلح لمحبة الله - سبحانه -، ومنهم من عنده جُلد وتحمُّل ولكنه عند تمكنه يكون من أفجر الناس وأظلمهم، فهو كذلك بعيدٌ عن الله سبحانه وتعالى، ولا ينجو ولا يقترب إلا مَن اتقى وصَبَرَ، فاللهم اجعلنا من المتقين الصابرين.
وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَطِئِينَ ﴾ هنا فقط حصلت التوبة لأخوة يوسف عليه السلام، وأخذوا دواء دائهم القديم ( الحسد )، هذا الدواء هو شهود قَسْم الله وتخصيصه وإيثاره من شاء من عباده بما يشاء من فضله، فأقسموا ليوسف عليه السلام بما شاهدته قلوبهم لأول مرة: إنه عطاء الله ومَنُّه، وقد أرشدهم يوسف عليه السلام إليه في قوله: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾، فهو لم ينسب لنفسه فضلاً حتى في مقام الثناء، لم يقل: أنا اتقيت وصبرت وأحسنت، بل ذكرها في صيغة العموم والقاعدة الكلية: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، فأخذوا الدواء فانحلَّ الداء وزال المرض، واعترفوا حقيقة بالخطيئة، فوجدوا القلب الرحيم الكريم مفتوحاً للعفو والصفح، بلا تكرار اعتذار ولا محاولة إذلال ولا توبيخ ولا تأنيب، بل يقول مؤنساً وحشة انكسارهم وخزي انكشافهم: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ أي: لا تأنيب ولا عتب ولا أعيركم بذنبكم في حقي بعد اليوم.
لم يعاقب، بل لم يعاتب بعد ذلك، بل وزادهم الدعاء بالمغفرة: ﴿ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾، ويتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته ليستجيب هذا الدعاء ويفتح لهم باب الرجاء فيقول: ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾، فكما كان هو سبحانه في حفظه ليوسف ال