شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 238

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

ورحمته به خيراً حافظاً وهو أرحم الراحمين، فكذلك في قبول توبة المسيء النادم ومغفرة ذنب المعترف المنيب الراجع إلى ربه هو سبحانه وتعالى أرحم الراحمين، ولما كان هذا الرد هو أحسن رد وأكرمه في مثل هذا المقام، وكان أصحاب رسول الله ﷺ - خصوصاً المقربين منهم الخبيرين بخُلقه ﷺ كعلي بن أبي طالب ﵭ - قد عايشوا قصص القرآن، وأدركوا أثره في النفس والارتفاع بها، كانت هذه النصيحة الغالية من علي ﵭ لأبي سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب ﵭ حين أسلم قبل غزوة الفتح، وكان قبل ذلك من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ رغم أنه ابن عمه، وكان يهجو النبي ﷺ ويؤذيه، وتأخر إسلامه إلى سنة ثمانٍ من الهجرة، فلقي النبي ﷺ وهو في طريقه لفتح مكة، فكان النبي ﷺ يُعرض عنه لما كان يلقى من أذاه، فشكى أبو سفيان ذلك لعلي بن أبي طالب ﵭ فقال: ائته من قبل وجهه وقل له: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَطِئِينَ ﴾، فإنه لا يرضى أن يكون أحدٌ أحسنَ مردوداً منه، ففعل فالتفت إليه النبي ﷺ وقال: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾، وكان بعد ذلك يدنيه ولا يحجبه ويقول: « عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْهُ خَلَفاً لِحَمْزَةَ » ﵅(١)، ما أفقه عليّاً ﵭ وأعلمه برسول الله ﷺ وسجاياه في الكرم والعفو، وححسن الاقتداء بالأنبياء قبله وطلبه محاسن الأخلاق ومعاليها !، فكانت نصيحةً أثمرت أحسن الثمار وأزالت آثار وحشة العداوة والتأخر والهجاء، وينبغي لمن سامح أخاً من إخوانه أن لا يعتب عليه بعد مسامحته، ولا يذكر له التثريب بعد ذلك، وإلا كان عائداً في هبته، وقد قال النبي ﷺ: « لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ » (٢)، وإن كان الاستدلال به مشهوراً في هبة الأموال فهو في هبة الحقوق والأعراض والمظالم أولى وأحرى، وتأمل كيف أن يوسف عليه السلام وفى لأخوته بما وعد من عدم التثريب، فإنه لما سجدوا له وذكّر أباه برؤياه: ﴿ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ

______

(1) صحيح: أخرجه الحاكم ( ٣ / ٤٣ - ٤٤ ) من حديث ابن عباس، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الأرنؤوط [ انظر زاد المعاد ص ( ٣٥٢ - ٣٥٣ ) ط الرسالة ]، وذكره في سنن البيهقي الكبرى حين دخل مكة ﵭ.

(2) رواه البخاري ( ٢٦٢٢ )، ومسلم ( ١٦٢٢ )، والترمذي ( ١٢٩٨ ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية