تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 254
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
@@ دعاء وتضرع
قال تعالى: ﴿ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾
يتوسل يوسف ﴿ﷺ﴾ إلى ربه - سبحانه - باسم الربوبية المضاف إلى ضمير المتكلم: ﴿ رَبِّ ﴾، وبشهود إيتائه إياه الملك وتعليمه من تأويل الأحاديث؛ فهو توسلٌ إلى الله بفضله وإنعامه على عبده، وتوسل بشهود العبد ذلك وثنائه على الله به واعترافه بالنعمة، وهذا من أسباب قبول الرب لدعاء عبده وشكره لعمله، ثم توسل إلى الله بأنه فاطر السموات والأرض أي: خالقهما على غير مثال سابق، وهذا يقتضي كمال ملكه ونفوذ أمره في السماوات والأرض، وإن شهود ملكوت السموات والأرض هو من أعظم أسباب حصول اليقين، ثم توسل إليه بأنه وليه في الدنيا والآخرة الذي تولآه بنعمه وإكرامه وتوفيقه وإعانته، وهو الذي أخذ بقلبه إليه وملأه بحبه والإنابة إليه، وهو الذي تولاه باجتبائه واصطفائه بالنبوة، وهو الذي تولاه فقرّبه إليه؛ ومعنى الولاية فيها معنى القيام بالأمر ومعنى القرب والمحبة، وهو ولي أيضاً في الآخرة، فهو لا يريد سواه، ولا يتوكل على سواه، ولا يعد لفاقته وحاجته في دنياه وأخراه سواه ﷻ، وهو الذي يرجو لـ إيابه بإدخاله الجنة في الآخرة، كل هذه التوسلات لتحصيل أعظم مطلوب: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾، إن نعمة الإسلام هي والله أجل نعمةٍ، وبغيرها ما كانت تحصل للعبد نعمة دينية أو دنيوية، إن راحة قلب المسلم وسعادته الحاصلة في الدنيا والمرجوة في الآخرة إنما كانت وتكون بنعمة الله بالتثبيت على هذا الدين، إن الملك والعلم وغيرهما من نعم الدنيا لا يمكن أن تسعد الإنسان إلا مع نعمة الله بالإسلام، وكم أعطي أناس من الملك وشقوا به ولم يسعدوا،