تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 255
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
@@ دعاء وتضرع
وكم أعطي أناس من العلم وشقوا به ولم يسعدوا، وإنما النعمة الحقيقية هي نعمة الإسلام، تذكر في هذا الموطن أخي المسلم نعمة الله علينا بالإسلام التي ذكرنا بها، فقال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: ٣]، فوسف تشعر أن أعظم مطلوب لك هو أن تظل مسلماً إلى أن يتوفاك الله عليه، لتتم عليك النعمة في الدنيا والآخرة، والإسلام لله هو أعظم حظ يُعْطَاهُ عبدٌ، وهو حظه من ربه ﷻ، وهو يفتح له باب حظٍ آخر عظيم من أسباب النعيم، وهو صحبة الصالحين: ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾، ووالله إن صحبة الصالحين في الدنيا من أسباب السعادة فيها، وهي سبب لذوق حلاوة الإيمان، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( لولا ثلاثٌ أحببتُ البقاءَ، لولا أنْ أخمطَ جيادَ الخَيْلِ في سَبِيلِ الله، ومُكَابَدَةَ الليلِ، ومُجَالَسَةَ أقوامٍ يَنْتَقُونَ أطايبَ الكلامِ كما تُنتقى أطايبُ الثمارِ )، وعن معاذ رضي الله عنه أنه قال عند موته: ( اللهم إنك تعلَمُ أني لم أكُنْ أحبُ البقاءَ لحريِّ الأنهارِ، ولا لِغَرْسِ الأشجارِ، ولا لنكاحِ الأزواجِ، ولكن لظَمَإِ الهَواجِرِ، ومكابدة الليلِ، ومزاحمة العلماءِ بالرُّكَبِ عند حِلَقِ الذِّكْرِ )، ولولا ما في صحبة الصالحين من الخير الذي لا يدرك بغيرها لما أمر الله بها نبيه ﷺ مع من هم أدنى منه ﵱ، وإنما أنعم الله عليهم بالإسلام به ﷺ فقال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: ٢٨]، وصحبة الصالحين من نعيم أهل الجنة قال تعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: ٦٩-٧٠]، وقال إبراهيم ﴿ﷺ﴾ وهو خير البرية بعد النبي ﷺ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [الشعراء: ٨٣]، وقال النبي ﷺ في احتضاره ﵱ: « اللهمَّ في الرَّفيقِ الأعلى »(١).
وفي الحديث القدسي الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: « إنَّ لله
______
(١) رواه البخاري (٤٤٣٦-٤٤٤٩)، ومسلم (٢١٩١)، وأحمد (٢٤٤٢٥).