شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 279

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

## التحذير من الشرك

قال تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾ [ يوسف: ١٠٦ ]

فطر الله جل وعلا العباد على الميل إليه وإلى توحيده وذوق حلاوة ذلك والراحة به، قال الله تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [ الروم: ٣٠ ]، والحنيف هو: المائل إلى الله المعرض عن غيره، كما قال النبي ﷺ: « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ » ^{(١)}، وهم كذلك مفطورون على كراهية الشرك والتألم به ووجد مرارته وهمه والضيق به، ومع ذلك، ومع بيان الرسل الكرام، أكثر الخلق أشركوا بالله وتحملوا أفظع الألم، ألم الانقطاع والبُعد عن محبة الله - سبحانه -، وذاقوا مرارة الباطل واستمروا على تجرعها، كيف حدث ذلك؟ وكيف خدعهم الشيطان حتى أشقاهم هذا الشقاء مع ما ينتظرهم من العذاب الأبدي والشقاء السرمدي؟

إنها الطريقة الإبليسية القديمة المتكررة التي استعملها مع الأبوين حين قاسماهما إني لكما لمن الناصحين، فأظهر تعظيم الله بالقسم به ليخدعهما، فلبّس الحق بالباطل، وهكذا خدع قوم نوح عليه السلام، فلبّس حق حب الصالحين واتباعهم بباطل الغلو فيهم وإطرائهم فوق منزلة العبودية، وهكذا خدع أهل الكتابين اليهود والنصارى من قبلنا، فلبّس حق حب الأنبياء واتباعهم بباطل الغلو فيهم بعبادتهم من دون الله وكذا الأحبار والرهبان.

فإن الباطل لا يمر إلا بشيء من الحق يذهب مرارته ويسوغه للناس، فالباطل المجرد لا يقبله البشر ولا يتحملونه، لابد أن يمزج بشيء من الحق، السم مرٌّ فظيع الطعم لا يقبله أحد حتى يوضع في العسل، فلنتنبه جيداً لهذه المسألة لأن أكثر الناس

______

(١) رواه البخاري ( ١٣٨٥ )، ومسلم ( ٢٦٥٨ )، والترمذي ( ۲۱۳۸ )، وأبو داود ( ٤٧١٤ ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية