تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 280
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
يستجيبون للباطل لوجود حق معه، وأهل النفاق بضاعتهم في هذا السوق رائجة، فهم العدو الذين يجب أن نحذرهم لأجل هذه المسألة، فحق إظهار التوحيد ممزوج بفتن شبهاتهم وشهواتهم وأمراضهم، التي بها صاروا دعاةً على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، وهم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا، قلوبهم قلوب شياطين في جثمان إنس، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ.
في هذه الآية الكريمة يخبر الله تعالى أن أكثر الناس لا يؤمنون بالله إلا مع شركهم به، قال ابن كثير - رحمه الله -: ( قال ابن عباس: من إيمانهم: أنهم إذا قيل لهم من خلق السماوات ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به، وكذا قال مجاهد، وعطاء وعكرمة، والشعبي وقتادة، والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وفي الصحيحين أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، وفي الصحيح: أنهم كانوا إذا قالوا لبيك لا شريك لك، قال رسول الله ﷺ: « قَدْ قَدْ » أي: حسب لا تزيدوا على هذا، وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [ لقمان: ١٣ ] وهذا هو الشرك الأعظم، وهو أن يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رجي عنه قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟، قَالَ: « أَنْ تَجْعَلَ لِلَّه نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ » ^{(١)، وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾ قال: ( ذلك المنافق يعمل - إذا عمل رياء الناس - وهو مشرك بعمله ذلك ) يعني قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [ النساء: ١٤٢ ] ) أ. هـ.
وهذا القول في تفسير الآية أنه الشرك الأكبر هو الظاهر في سبب نزولها، إذ السورة مكية والخطاب عن المشركين المعرضين عن آيات الله في السماوات والأرض.
______
(١) رواه البخاري ( ٤٤٧٧، ٦٠٠١، ٦٨١١، ٧٥٢٠ )، ومسلم ( ٨٦ )، والترمذي ( ۳۱۸۲ )، والنسائي ( ٤٠١٣ )، وأبو داود ( ٢٣١٠ ).