شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 330

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

يُثرب عليهم ولا يعيرهم به ثم بره العظيم بأبويه، وإحسانه لإخوته، بل لعموم الخلق.

ومنها: أن بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمها، فإن أخوة يوسف عليه السلام لما اتفقوا على قتل يوسف عليه السلام أو إلقائه أرضاً، وقال قائل منهم: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ كان قوله أحسن منهم وأخف وبسببه خف عن إخوته الإثم الكبير.

ومنها: أن الشيء إذا تداولته الأيدي وصار من جملة الأموال ولم يعلم أنه كان على غير وجه الشرع: أنه لا إثم على من باشره بيع أو شراء، أو خدمة أو انتفاع أو استعمال: فإن يوسف عليه السلام باعه إخوته بيعاً حراماً لا يجوز، ثم ذهبت به السيارة إلى مصر فباعوه بها، وبقي عند سيده غلاماً رقيقاً، وسماه الله شراء وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم (١).

ومنها: الحذر من الخلوة بالنساء التي يخشى منهن الفتنة، والحذر أيضاً من المحبة التي يخشى ضررها، فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى، بسبب توحدها (٢) بيوسف عليه السلام، وحبها الشديد له، الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه، فسجن بسببها مدة طويلة.

ومنها: أن الهم الذي همّ به يوسف عليه السلام بالمرأة، ثم تركه لله، مما يقربه إلى الله زلفى، لأن الهم داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة لأغلب الخلق، فلم

______

(١) الاستدلال على صحة بيع ما لم يعلم حقيقة مالكه لتداول الأيدي له بالقصة فيه نظر، فإن بيع يوسف كان حراماً باطلاً قطعاً، وإنما سماه الله شراء في قوله ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ﴾ لواقع الحال حتى ولو كان باطلاً، كما تقول بيع الخمر حرام وباطل فتسميته بيعاً لا يدل على صحته، ولذا لم يحتج يوسف عند خروجه من السجن إلى عتقه لأنه حر أصلاً، وجريان الرق عليه كان ظلماً وعدواناً ممن علمه أو تسبب فيه أو رضي به، فلو أن رجلاً علم أن رقيقه ومملوكه كان قد بيع ظلماً وهو حر لوجب عليه فوراً إطلاقه وعدم استخدامه فليس برقيق عنده ولا عند غيره، وإن كان لا يلزمه قبول خبر عبده بغير بينة لكنه لو صدقه للزمه إطلاقه، وما وقع من عزيز مصر وغيره لا دليل فيه إذ هم كفار وأقل أحوالهم ظلمة، ولا إقرار في القرآن على فعلهم، وإن كان أصل المسألة التي ذكرها الشيخ صحيحاً وهو أن الشيء المتداول بين الأيدي ولم يُعلم أنه كان على غير الشرع أنه لا إثم على من باشره بيع أو شراء.... إلى آخرها، وإنما الكلام على صحة الاستدلال على ذلك بالقصة، والله أعلم.

(٢) توحدها يعني: انفرادها وخلوتها به.

الصفحة السابقة الصفحة التالية